رسالة مفتوحة الى رئيس وزراء العراق السيد عادل عبد المهدي

د. سعد ناجي جواد
السلام عليكم ورحمة الله
لم يسبق لي ان التقيتك او تحدثت معك، رغم ان عائلتينا سكنتا منطقة واحدة في بغداد، وإني كنت على علاقة طيبة مع اثنين من أشقائك الأصغر رحمهما الله، لكن هذه الأمور هي ليست ما دفعني للكتابة لك. بل ان السبب الذي جعلني افكر في ان أخاطبك برسالة مفتوحة، رغم اختلافي الكامل مع توجهك السياسي او بالأحرى كل توجهاتك السياسية السابقة والحالية، هو حبي للعراق وقلقي الدائم على مستقبله ومستقبل ابناءه وبالأخص الشباب منهم، ولانك الان وبموجب منصبك مسؤول مسؤولية كاملة عنهما، فلقد ارتأيت ان أخاطبك مباشرة، لاني اشعر بان سياساتك تقود كل من العراق وشعبه، الى متاهات بل ولكي اكون اكثر صراحة الى مهالك وكوارث مع الأسف الشديد. و
لا اريد هنا ان أحملك كل المسؤولية، لأني اعتبر ان الاحتلال الامريكي – البريطاني الذي كان مدفوعا اسرائيليا هو المسؤول الأول عن ما حل بالعراق منذ عام 2003 ولحد الان، ولكن منصبك الان وقبولك تحمل المسؤولية، وقبل ذلك عملك وجهودك وجهود الجماعات التي عملت معك قبل الاحتلال تجعل منكم جميعا مسؤولين مسؤولية مباشرة عما جرى ويجري. وان قولك وترديدك مؤخرا بانك لست مسؤولا عن كل ماحدث في العراق منذ بداية الاحتلال ولحد الان، وأنك الان تواجه تراكمات اكثر من ستة عشر عاما، وأنك لم يمض على تسنمك هذا المنصب الرفيع اكثر من سنة واحدة هي غير كافية للإصلاح، هو قول غير صحيح لانك منذ بداية الاحتلال كنت عمودا أساسيا من أعمدة النظام، ولا اريد ان اتحدث عن دورك قبل الاحتلال، ولكنك بعده كنت نائبا لرئيس الجمهورية، ووزيرا للمالية و وزيرا للنفط ونائبا لرئيس الوزراء، ثم رئيسا للوزراء، وهذه المناصب التي توليتها طوال هذه الفترة تجعلك مسؤولا مسؤولية مباشرة عن ما جرى ويجري.
ولو افترضنا انك كنت غير راضٍ عن اُسلوب وطريقة الحكم قبل ان تصبح المسؤول الأول، وأنك استقلت في اكثر من مرة، فالسؤال هو ماذا فعلت لاصلاح الامور عندما تسلمت المسؤولية الكاملة؟ هل فضحت فسادا او فاسدين؟
هل احلت احد الفاسدين الكبار الى المحاكم واعدت ما سرقه الى خزينة الدولة؟ هل اخترت الاكفأ والأصلح والانزه لتحمل المسؤولية معك؟ انت مع الاسف ليس فقط لم تفعل ذلك بل في احيان كثيرة فعلت العكس، حيث تسترت على فاسدين، ورضيت ان تعين فاسدين بتوصية من فاسدين، والاهم انك ورغم كل ماجرى لم تعتمد على التظاهرات الرافضة للفساد، والمستمرة منذ مدة ليست بالقصيرة، لكي تقيل الفاسدين، الذين لا يزالون لحد هذه اللحظة يسرقون أموال العراق. والأدهى من ذلك انك الان أصبحت متهمًا بقتل المتظاهرين السلميين (239 شهيدا حسب اخر احصائية)، والذين باعترافك استشهدوا بسبب استخدام القوة المفرطة والسلاح الناري الحي ضدهم، ولم تتخذ اي اجراء لكشف من اصدر الامر باستخدام السلاح الناري و القوة المفرطة ضدهم منذ البداية، ولم تقم الأجهزة التي تعمل بامرتك بإلقاء القبض على شخص واحد تورط في قتل المتظاهرين، لكي تبريء ذمتك، وهكذا أصبحت وحكومتك الان متهمين بجرائم ضد الإنسانية وخرق حقوق الإنسان.
وأحب ان اذكرك انه في عام 1948 عندما حدثت وثبة كانون ضد معاهدة بورتسموث الجائرة سقط شهداء لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة على نفس الجسر الذي سقط عليه شهداء في الأيام الماضية، واجبر رئيس الوزراء آنذاك على الاستقالة وألغيت المعاهدة وجيء بوزارة طوارئ لتدارك الأمور، وربما غاب عن ذاكرتك أيضا انه بعد عشر سنوات من هذه الوثبة اعدم وزير الداخلية ومدير الأمن العام ومدير الشرطة العام الذين شغلوا هذه المناصب اثناء الوثبة، لإتهامهم بانهم تسببوا بقتل المتظاهرين آنذاك، علمًا بان الذين اعدموا كانوا من الذين شُهِدَ لهم بالنزاهة ونظافة اليد. ثم انك اعترفت اكثر من مرة بان القوات التي هي بإمرتك استخدمت القوة المفرطة لقتل من اسميتهم (المندسين وأولئك الذين كانوا يهاجمون القوات الأمنية بالأسلحة النارية وقنابل المولوتوف)، ولم تقدم حكومتك واجهزتها دليلا واحدًا على استخدام المتظاهرين للسلاح الناري ضد القوات الأمنية.
كما لا ادري كيف كان ( القناصين) يلتقطون (المندس) وحامل السلاح الناري من بين مئات الألوف من المتظاهرين كي يقتلونه؟ وعندما نشرت نتائج التحقيقات ألقيت باللوم على المتظاهرين حتى ان المرجعية انتقدت تقريرك. ثم أني اتفق معك تماما ان من يحرق أي مرفق من مرافق الدولة يجب ان يعاقب، ولكن من يجب ان يعاقب ايضآ على مثل هذه الجرائم أشخاص حولك شغلوا ويشغلون مناصب كبيرة قاموا بإحراق أو تفجير سفارات عراقية احتفالًا بالاحتلال الأمريكي أو تمهيدا له، أو قاموا قبل ذلك بتفجيرات داخل العراق قتلت ابرياء.
ثم انك قلت انك مستعد للاستقالة وحضور استجواب البرلمان شريطة ان تكون الجلسة علنية ويتم بثها عبر شاشات كبيرة في ساحات التظاهرات لتفضح كل من تسبب في المشكلة، أو كما أخبرت بعض المقربين منك انك غير مستعد لكي تكون الضحية وأنك ستفضح جميع الكتل والأشخاص الذين عرقلوا عملك خلال السنة السابقة. وياليتك فعلت ذلك، لكان المتظاهرون اول من يطالب ببقائك في منصبك و يساندونك في تنظيف البلاد من الذين (افشلوا خططك الإصلاحية) التي لم تفصح عنها أبدا. ثم لماذا تنتظر حتى يستضيفك البرلمان لكي تفضح المستور؟ أنت رئيس وزراء و تستطيع في أية لحظة ان تعقد مؤتمرًا صحفيا تحضره كل وكالات الأنباء والفضائيات وتقول ما في جعبتك كي تثبت للمتظاهرين بل ولكل العراقيين ان الفاسدين هم من وضعوا العراقيل أمام عملك وخططك الإصلاحية وتسميهم.
من جانب اخر فان شخصية اقتصادية مثلك يجب ان يكون لها نظرة واضحة عن الخطة الاقتصادية والمالية الإصلاحية التي يحتاجها بلد مثل العراق، ولكنك لم تقدم مثل هذه الخطة. اعجبتني جملة وردت على لسانك قبل أيام قلت فيها ( ان الموازنة هي فلسفة وليست مجرد ارقام، لان أي خلل في ناحية يجعل من كل الموازنة تنهار او تفشل). وهذا كلام سليم جدا ولكن اسمح لي ان اطرح عليك بعض الأسئلة. أولًا و وفق آية فلسفة اقتصادية او مالية تقوم دولة ما بمنح عدد من مسؤوليها الكبار مبلغ مليون دولار شهريا لكل واحد منهم لكي يقوموا (بتوزيعها على المحتاجين؟) و أين هو دور دوائر الشؤون الاجتماعية والضمان الاجتماعي؟ مع العلم بان كل مليون كان يمكن ان يغطي تكلفة بناء مدرسة في أرياف العراق بدلًا من المدارس الطينية التي لا يزال يجلس فيها الطلاب على الأرض لتلقي دروسهم. ووفق أية فلسفة اقتصادية يتم زيادة حصة جزء من العراق إلى الضعف من موارد البلاد في وقت ان الجزء الذي يُصَدِر الجزء الأكبر من النفط الذي يعيش عليه كل العراق يبقى محروما من خيراته ويتظاهر ابناءه يوميا طلبًا للوظائف؟
وأخيرا وفق أية فلسفة اقتصادية يتم الاتفاق مع دولة مثل الصين يقوم العراق بموجبه بمقايضة نفطه بمشاريع استثمارية، (وهي بالمناسبة فكرة جيدة جدا)، وبدون وجود خطط تنموية واضحة ومدروسة، و وفق آية فلسفة اقتصادية يتم تخويل المحافظين، المتهم اغلبهم ومجالس محافظاتهم بفساد غير مسبوق، مسؤولية الاتفاق مع الصين لتنفيذ المشاريع في محافظاتهم؟ الم يكن الأجدر ان يوكل الأمر وقبل زيارة الصين، إلى خبراء اقتصاديين اكفاء لكي يضعوا خططًا تنموية خمسية أو عشرية لإعادة بناء العراق ثم يتم الطلب من الصين ان تنفذ هذه المشاريع التنموية المدروسة من قبل هؤلاء الخبراء. ثم الا يمثل هذا التصرف فتحا لأبواب جديدة للفساد؟
طبعًا هناك أمور أخرى ربما أنت غير مسؤول عنها مباشرا، ولكنك سكت عليها، مثل تشكيل لجنة لتعديل الدستور من أشخاص لا يوجد بينهم خبير دستوري واحد، ومثل ان تطلب هذه اللجنة من الخبراء القانونين والدستوريين ان يقدموا مقترحاتهم عبر بوابة إلكترونية خصصت لهذا الغرض في وقت بتم فيه تعطيل خدمات الإنترنت في عموم العراق لايام، وإذا فُعِلَت الخدمة تكون ضعيفة. ومثل الإعلانات المبهمة التي تصدر عن القضاء والتي تقول على سبيل المثال ( تم تنحية الف موظف اتهموا بتلقي رشاوى)، ولا ادري ما معنى كلمة (تنحية) قانونيا. أو انه تم احالة وزير و محافظ سابقين للقضاء، ولا احد يعلم من هم هؤلاء، علمًا بان اغلب التهم الموجهة الى هؤلاء (الأشباح) لابد وان تنتهي بتبرئتهم بعد اول جلسة، لان التهم لا تشمل ولا تشير إلى الملايين التي سرقوها، ولكنها تتحدث عن تبذير أموال أو ايفاد أشخاص لمدد اطول من اللازم وغير ذلك من الخروقات البسيطة. في حين ان الشرطة الدولية التي القت القبض على ثلاثة مسؤولين كبار متهمين بفساد كبير، جرى إما تهريبهم أو الإفراج عنهم حتى بدون محاكمة.
لقد كان العراقيون ياملون منك يا سيادة رئيس الوزراء ان تبر بما وعدت به عند تكليفك بهذا المنصب الكبير ، ان تحارب الفساد وان تختار الأصلح لشغل الوزارة وان تبدا عملية تنمية شاملة وإصلاحات اقتصادية تجعل العراقيين يشعرون تدريجيا بانهم بدأوا بالتمتع بثروات بلدهم بدلًا من ان تذهب لجيوب الفاسدين الذين يحيطون بك من كل جانب.
و يؤسفني ان أقول لك مع كل الاحترام للمنصب الذي تشغله بانك لحد هذه اللحظة لا يبدو انك مدرك لخطورة الوضع في العراق، وأنك مرتاح بل وسعيد بالدعم الذي حصلت عليه من ايران لكي تحتفظ بمنصبك، الذي كنت تقول دائما ان استقالتك جاهزة لكي تغادره إذا وضعت العراقيل في طريقك، واسمح لي ان أقول لك وبكل صدق ان هذا الدعم لم يأت حرصا عليك، ولكن لمصالحها الخاصة، والتي هي الاخرى تخطأ في تقديرها باعتمادها على عناصر فاسدة و دموية وطائفية، وأنها تكرر نفس الخطا الذي ارتكبته الولايات المتحدة عندما احتلت العراق، واذا كان لي ان اقدم لك ولمن يدعمك نصيحة متواضعة من إنسان بسيط فاني أقول لكم أنكم بإصراركم على اتهام شباب العراق السلميين الذين لم يخرجوا الا بعد ان نفذ صبرهم، بالمتآمرين، وبإصراركم على التمسك بالفاسدين والفاشلين والمجرمين فانكم تدفعون المتظاهرين لرفع سقف مطالبهم من ناحية، ومن ناحية اخرى فانكم تفتحون الأبواب مشرعة للمندسين الحقيقيين كي يدمروا العراق.
وأخيرا يا سيادة رئيس الوزراء فاني اعتقد وبكل تواضع ان أمامك خيارين لا ثالث لهما، فإما ان تتحدث بصراحة ثم تستقيل وتجنب نفسك إحراجات أخرى، او تقف وبسرعة وبدون اي تاخير موقفا شجاعا تقوم بموجبه بإحالة عدد من المسؤولين الكبار للقضاء، وتخرج الفاسدين من وزارتك، و تطلب رفع الحصانة عن النواب اللذين افسدوا وسرقوا الان وفي السابق، وان غير هذا الحزم سيجعلك المتهم الوحيد الذي ستلقي عليه كل الكتل فشلها و فسادها وعجزها في إدارة البلاد بالشكل الصحيح. وأتمنى ان تعلم انك حتى اذا نجحت في تجاوز هذه الازمة بأساليب ملتوية فان البلاد وشبابها سيبقون كبركان لا احد يعلم متى ينفجر.
أرجو ان لا أكون قد أزعجتك يا سيادة رئيس الوزراء بصراحتي التي كما ذكرت في بداية كلامي انها كانت وستبقى حبًا بالعراق وشعبه الأبي الكريم.
اكاديمي وكاتب عراقي