زراعة التمور في العراق تنهض مجددًا بمساعٍ أهلية وتأثير حكومي ضعيف

يس عراق: متابعة

بعد عقود من التراجع والإهمال كانت فيها بساتين النخيل في مناطق عدة من العراق ساحات معارك، ها هي زراعة النخيل تعود لتنتعش مجددا، حيث اعلنت وزارة الزراعة مؤخرا عن تصدير 200 ألف طن من التمور خلال أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم إلى العديد من الدول؛ بينها مصر والمغرب والهند وإيطاليا وهولندا.

المتحدث باسم الوزارة حميد النايف أشار إلى وجود نحو 18 مليون نخلة في العراق حاليا، رغم استمرار عمليات التجريف لمساحات واسعة منها لصالح بناء وحدات سكنية؛ إلا أنه أكد أن الوزارة عوّضت ذلك بزراعة بساتين جديدة، واستخدام أساليب حديثة في الري مثل الري بالتنقيط واستخدام الفسائل النسيجية، وهو ما يتوقع أن يؤدي إلى غزارة في الإنتاج في السنوات المقبلة، على حد قوله.

واستدرك النايف أن زراعة النخيل تعاني ضعف الدعم الحكومي، مشيرا إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والبذور والمبيدات واللقاحات مما يشكل ثقلا على الفلاح.

ولفت إلى أن القطاع الخاص هو من يتولى مهمة التصدير للخارج، بمساعدة من الحكومة؛ عن طريق تقديم دعم لوجستي للعثور على منافذ للتصدير، بحسب تعبيره.

وفي بلد يعتمد اقتصاده بشكل شبه كامل على النفط؛ يؤكد النايف أن الزراعة تشكل حاليا ما بين 4% و5% من الناتج القومي العراقي، ويمكن العمل لرفعها لمستوى 20% بمزيد من الدعم الحكومي وتوفير المياه.

وتشير أرقام حكومية سابقة إلى أن أعداد أشجار النخيل في العراق بداية الثمانينيات بلغت ما يقارب 30 مليون نخلة، كانت تنتج سنويا أكثر من 500 ألف طن من التمور.

لكن حربي الخليج الأولى والثانية، ثم الحصار الاقتصادي والصراعات المسلحة التي تلت غزو العراق والتجريف الواسع؛ أسهمت في تراجع هذه الزراعة بشكل واضح، حتى انخفضت أعداد النخيل إلى النصف تقريبا.

ثم انتعشت هذه الزراعة مجددا بعد محاولات أهلية في السنوات الأخيرة، حيث قدّرت مديرية الإحصاء الزراعي الحكومية إنتاج التمور لعام 2020 المنصرم بأكثر من 735 ألف طن، بارتفاع نسبته 15% عن العام الذي سبقه.

وفي البصرة؛ أحد أقدم مواطن النخيل في العالم؛ عمل مستثمرون على إنشاء مزارع خاصة لإنتاج التمور، خصوصا في مناطق جنوب المحافظة مثل سفوان والفاو وغيرها، بعدما تحوّلت معظم المساحات المزروعة القديمة إلى قطع أراض سكنية.

عبد الواحد الشاوي أحد هؤلاء، حيث يمتلك مزرعة نخيل على أرض مساحتها 70 دونما في منطقة سفوان، لكنه يواجه العديد من المشاكل، من بينها أن الأراضي التي يقيم عليها مشروعه تعود ملكيتها لوزارة النفط، في حين العقود تُوقع مع وزارة الزراعة التي لا تمنحهم كمستثمرين للأراضي إلا بموافقة وزارة النفط، والتعهد بعدم استثمارها بغير الزراعات الموسمية.

ويحكي الشاوي عن مزرعته التي تضم نحو 2500 نخلة، تنتج 40 نوعا من التمور، لكنه يتخوّف من فقدانه إياها في أي لحظة، لأن الأرض تابعة رسميا لوزارة النفط، كباقي الأراضي الصحراوية في البصرة.

ويشير إلى قانون صدر عام 1979 يقضي بأن من يزرع 50 نخلة أو شجرة في الدونم الواحد؛ فإن الأرض تصبح ملكا له إذا أثمرت هذه الزروع، لكنه معطّل اليوم رغم الحاجة إلى تطبيقه.

 

 

تداعيات الاقتصاد الريعي

ورغم أن العراق كان في صدارة المنتجين العالميين للتمر قبل عقود؛ فإن إنتاجه اليوم من هذه الغلة لا يتجاوز 5% من الإنتاج العالمي، بعد أن أصبح اقتصاده ريعيا بشكل شبه كامل، يعتمد على النفط بالدرجة الأساس.

الخبير الاقتصادي مصطفى أكرم حنتوش قال إن العراق قبل استخراج النفط كان يعتمد على الزراعة وتصدير محاصيلها للخارج، إذ تصل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد إلى 23 مليون دونم، هذا غير الأراضي التي تم استصلاحها.

لكن الزراعة لا تمثل اليوم سوى 6% من مجمل الناتج القومي، في حين أنه يجب أن يعتمد عليها بنسبة لا تقل عن 25%؛ بحسب قوله.

ويلفت حنتوش إلى مشكلة أخرى تواجه قطاع الزراعة في العراق وهي أن مبادرات دعم المزارعين وإقراضهم قدّمت لهم الأموال، استخدمت لشراء المنازل واقتناء السيارات، ولم تستخدم في تطوير وخدمة الزراعة.

ويضيف أن الدعم الحكومي للزراعة قد حقق بعض الاكتفاء الذاتي في منتوجات الحنطة والشعير، إلا أنها لم تحقق الاكتفاء في الخضروات والفواكه والسلع المرتبطة بالزراعة كاللحوم والدواجن، والتي ما زال العراق يستورد كميات كبيرة منها كل عام.

ويضيف أن تجارب لدول مجاورة كانت أكثر نجاحا، حين منحت الفلاحين دعما في شكل معدات زراعية وليس أموالا، كما أن على الحكومة أن تسعى لتوظيف أموال النفط في بناء ثروات أخرى كالزراعة والصناعة، لتستطيع مواجهة تقلبات الاقتصاد العالمي وتذبذب أسعار النفط، على حد قوله.