زمن كورونا وكيفية تحفيز الاقتصاد الأميركي.. بول كروجمان

كتب: بول كروجمان

إذا أراد المرء ملخصاً سريعاً لحال تشريع التحفيز المالي في مجلس الشيوخ، فيمكنني القول إن «الجمهوريين» يصرون على أنه يجب علينا التصدي للوباء باقتصاد دعم الطبقات العليا، كي تتسرب المنافع للطبقات الأدنى وبرأسمالية المحسوبية. لكن «الديمقراطيين» لا يوافقون، لعدة أسباب، ويعتقدون أنه يجب علينا أن نركز مباشرة على مساعدة الأميركيين المحتاجين. وإذا تعطل إقرار التشريع- كما سيحدث فيما يبدو حتى كتابة هذه السطور، رغم أن الأمور قد تتغير في عصر كورونا- فسيكون سبب هذا هو أن «ميتش مكونيل»، زعيم الغالبية «الجمهورية» في مجلس الشيوخ- يرتهن الأميركيين المحتاجين في محاولة لابتزاز «الديمقراطيين» كي يمنحوا دونالد ترامب تمويلاً بقيمة 500 مليار دولار يكون تحت تصرفه.

أولاً، دعونا نتحدث عن طبيعة الأزمة الاقتصادية التي نواجهها. ففي أسوأ لحظات ركود عامي 2007 و2009 كانت أميركا تخسر نحو 800 ألف وظيفة في الشهر. أما في الوقت الحالي، فنحن نخسر بضعة ملايين من الوظائف كل أسبوع. فما الذي يسبب هذه الخسائر في الوظائف؟ حتى الآن، هذا ليس ما يحدث عادة في حالة ركود حين يتم فصل العمال لأن المستهلكين لا ينفقون الأموال. ما نشهده هو تأثير عملية العزل الاجتماعي بعد إغلاق المطاعم وأماكن الترفيه، وغيرها من المؤسسات، لتقييد انتشار فيروس كورونا.

ولا يمكننا، ولا يجب علينا، أن نعيد هذه الوظائف حتى يتلاشى الوباء. وهذا يخبرنا بأن أولى أولوياتنا في الوقت الحالي ليس خلق الوظائف، بل تخفيف وقع الكارثة بإعطاء الأسر والأنشطة الاقتصادية الصغيرة التي فقدت مصادر دخلها ما يكفي من المال، لتستطيع التكيف مع الضرورات مع استمرار الإغلاق. وأيضاً من الأولويات القصوى تقديم مساعدات سخية للمستشفيات والعيادات، وغيرها من مراكز تقديم الرعاية الصحية، في ظل هذه الضغوط الهائلة. وبينما يؤدي العزل الاجتماعي إلى تدمير الوظائف في الوقت الحالي، لكنه ستكون هناك في نهاية المطاف جولة ثانية تقليدية من خسارة الوظائف، حين تقلص الأسر والأنشطة الاقتصادية المتضررة إنفاقها. ولذا هناك أيضاً حجة للتحفيز من أجل استمرار الإنفاق ككل. ومساعدة الأميركيين المحتاجين سيوفر الكثير من التحفيز بمساعدتهم على الإنفاق.

فما هو مشروع قانون التحفيز الذي يحاول «مكونيل» جاهداً أن يقره في مجلس الشيوخ؟ إنه يقدم على مضضٍ بعضاً، وبعضاً فقط، من المساعدات التي سيحتاجها الأميركيون المتضررون. لكن التشريع يتضمن أقراص السم، مثل اشتراط يمنع المساعدة عن كثير من المؤسسات غير الهادفة للربح، مثل مراكز التمريض ومراكز رعاية أصحاب الحاجات الخاصة. ويتضمن أيضاً ملبغ 500 مليار دولار للشركات تستطيع إدارة ترامب أن توزعه، بحسب تقديرها، دون رقابة في الأساس. وهذه ليست سياسة مروعة فحسب، بل إهانة لذكائنا.

فعلى كل حال، من الصعب تسويغ إعطاء أي إدارة هذا النوع من السلطة لمكافأة أصدقائها ومعاقبة الذين تعتبرهم أعداء. ومن غير المقنع تقريباً أن يقترح أي شخص إعطاء مثل هذه السلطة إلى إدارة ترامب. تذكروا أننا تابعنا تصرفات هذه الإدارة لأكثر من ثلاث سنوات. رأينا ترامب وهو يرفض الكشف عن أي شيء من مصالحه المالية في غمرة وفرة الأدلة على أنه يحقق أرباحاً على حساب الصالح العام. ولفتت حرب ترامب التجارية الانتباه، بسبب الطريقة التي حابت بها الشركات نوعاً ما في الحصول على إعفاء من الرسوم، بينما مُنع الآخرون من هذا. وفي الوقت الذي تقرأ فيه هذه السطور، يرفض ترامب استخدام سلطاته ليطلب إنتاج الأدوات الطبية الضرورية.

ولذا سيكون من غير طبع هذه الإدارة بالمرة، أن تخصص مبالغ كبيرة بشكل عادل وفي الصالح العام. وإلى جانب المحسوبية، هناك قضية الكفاءة. فلماذا نعطي سلطة هائلة تحت تصرف فريق أخفق تماماً في الاستجابة على كورونا لأن ترامب لم يرد سماع الأنباء السيئة؟ لماذ نضع جهود التعافي الاقتصادي في أيدي أشخاص أكدوا لنا قبل أسابيع، فحسب، أن الفيروس تم احتواؤه، وأن الاقتصاد بحالة جيدة؟

وأخيراً، لدينا اختبار حاسم للحجة الأساسية للأموال التي يطالب بها «مكونيل» وهي أنه إذا أُعطيت الشركات الأموال دون قيود، فإنها ستستخدمها لصالح العمال والاقتصاد ككل. لكن في عام 2017، سعى «الجمهوريون» جاهدين إلى فرض تقليص كبير في ضرائب الشركات، وأكدوا لنا أن هذا سيؤدي إلى أجور أعلى ويعزز استثمار الأنشطة الاقتصادية. لكن لم يحدث شيء من هذا، بل استخدمت الشركات الأموال لاستعادة شراء أسهمها. فلماذا يختلف الأمر هذه المرة؟

وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور، يرفع «الجمهوريون» أصواتهم بالقول إن «الديمقراطيين» يخربون الاقتصاد برفضهم إقرار مشروع قانون «مكونيل». لكن على أي حال، إذا أراد «مكونيل» التحرك حقاً، فإنه يستطيع هذا ببساطة، إما بالتخلي عن طلبه بالمبلغ الذي يوضع تحت تصرف ترامب، أو بإقرار مشروع قانون تحفيز يرجح أن يقدمه «الديمقراطيون» قريباً للغاية في مجلس النواب. وهذا قد يحدث في غضون أيام قليلة. لكن «الجمهوريين» في الوقت الحالي، يصرون على استغلال أزمة لصالح رئيسهم الذي ساعد في خلقها، برفضه التعامل الجدي مع الوباء.