“صناعة” الرد.. سليم سوزا

كتب: سليم سوزا

لا اتحدث عن الرد الايراني المحتمل على الضربة الامريكية الاخيرة، وانما عن صناعة ذلك الرد، بمعنى كيف ستصنع ايران ردها؟ هل ستصنع هذا الرد وفق معادلة ما قبل اغتيال سليماني والمهندس في العراق؟ اي معادلة: لا حرب لا سلام مع امريكا، وانما ضربات صاروخية للمصالح الامريكية في المنطقة عبر جماعاتها ووكلائها المحليين كما كان الامر قبل مقتل قادتها في العراق؟ ام ستصنعه وفق معادلة ما بعد الثالث من كانون الثاني، وهي معادلة الاستهدافات المباشرة بايادي ايرانية خالصة لمراكز النفوذ والمصالح الامريكية في العراق والمنطقة؟

باعتقادي، ان الايرانيين اكثر حكمة وبرغماتية من ان يفتحوا جبهة حرب شاملة مع الامريكيين في هذا الوقت تحديداً، لانهم استوعبوا رسالة ترمپ جيداً وعرفوا ان مزيدا من التصعيد قد يؤدي الى ضربات امريكية أكثر عمقا وحيوية لمصالح الايرانيين، وقد تصل تلك الضربات الى داخل الاراضي الايرانية نفسها. لكن الايرانيين في ذات الوقت ليس باستطاعتهم السكوت تماماً لانهم سيظهرون بمظهر الضعيف والعاجز امام شعبهم اولاً قبل شعوب الدول التي لهم فيها نفوذ مهم. الظهور بمظهر الضعيف قد يشجع على تمرد داخلي في ايران، وهذا ما لا يريده الايرانيون قطعاً. لذا، اتوقع ستكون الضربات وفق المعادلة الاولى لا الثانية.

واما ما يخص الشأن العراقي، فثمة ضرورة ملحة الان لبلورة موقف وطني موحد تجاه ما يحدث على الاراضي العراقية. فالسياق الشعبي العام الان وسجالات العراقيين وجدالاتهم ومشاعرهم وشتائمهم بعضهم لبعض اليوم تتطابق تماما مع تلك التي شهدناها في لحظة سقوط البعث في العراق عام ٢٠٠٣. تتشابه تماماً حد النقطة والفارزة. وللأسف، في هذا الفضاء الشتائمي والمتشنج تضيع لحظة تفكير مهمة لترتيب اولويات العراقيين. ما اولوياتنا كعراقيين الان؟

استطيع ان احمل لافتة رومانسية تقول “لا امريكا ولا ايران .. انا مع مصلحة العراق أولاً”، ولكنها ستكون لافتة مثالية خيالية غير واقعية لان الظروف اقوى منها وممن كتبها وحملها طالما العراق اليوم ضعيف وحُشِر في سياسة المحاور رغماً عنه. ماذا تعني كلمة “مصلحة” في تلك اللافتة؟ سيفسرها الجمهور المتعاطف مع النفوذ الايراني في العراق ان مصلحة العراق تكمن في اخراج الامريكيين ومع التحالف مع الايرانيين، فيما سيقول عنها الجمهور المتعاطف مع النفوذ الامريكي انها تخص الوقوف ضد الهيمنة الايرانية في العراق والتحالف مع الامريكيين. بالمقابل، سيقول “المثاليون” انها ضد نفوذ الاثنين معاً. انا مع المثاليين، لكن كيف وما الاولويات؟ هنا يبرز دور السياسة. يستطيع السياسي الحكيم (ان وجد) استغلال هذه المشاعر والتوجهات لخلق موقف وطني موحد يقود اولويات البلد في هذه اللحظة المرتبكة (قد أكون اكتب شعراً هنا).

ثمة مساران لا ثالث لهما. اما ان تكون اولويات العراقيين الان تجاه اخراج الامريكيين أولاً ومن ثم التعامل مع النفوذ الايراني فيما بعد، او العكس. مواجهة النفوذ الايراني أولاً ومن ثم الامريكي لاحقاً.

الاولويات تصنعها السياسة، لا الغضب وانفلات الاعصاب، وهي بالنهاية تُرَتَّب حسب مصلحة البلد ووفقاً لأقل الخسائر. وحدهم العراقيون من يحددون هذا.