عشرة بألفبين سيد درويش وسعدون الساعدي !.. نظال العياش

كتب نظال العياش:
عشرة بألف
بين سيد درويش وسعدون الساعدي !
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية وماتبعه من واقع جديد وتحولات موجعة ظهرت موجة من الأغاني الهابطة
لم يسلم منها حتى سيد درويش الذي غنى:
وأنا مالى هى اللى قالتلى ..
روح إسكر وتعالى على البهلي ..
شربت شوية وبعد شوية ..
بعتت لى خدام يندهلي
وأم كلثوم في :
“الخلاعة والدلاعة مذهبي
من زمان أهوى صفاها والنبي
وعبدالوهاب في :
فيك عشرة كوتشينة فى البلكونة ..
بصرة بشكة عادة مجنونه ..
كلت بولد أه حلوللي ..
وفي بداية السبعينات وفي وجود عبدالوهاب وام كلثوم وحليم وفريد والسنباطي وبليغ والموجي غنى احمد عدوية
السح الدح انبوو
الواد طالع ليوه
وحبة فوق
وحبة تحت ..
وحقق شعبية واسعة دلّت على وعي شعبي جديد انتجته هزيمة 1967 التي لم تكن هزيمة سلاح بل هزيمة حلم وفكرة وإيمان …
الفن الرصين يتبع رصانة البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى لوكانت موهومة ..
والفن الهابط ارتداد ثقافي للهزائم العسكرية وتوابعها من أزمات اقتصادية وخيبات فكرية وصدمات ثقافية تمارس المجتمعات شيئاً من التهكّم وجلد الذات ومعاقبتها فتنتج فنّاً يُنظر له بأنه هابط على غرار مايفعل سعدون الساعدي ونزار الفارس ومحمد السالم ..
انهم ناجحون متصالحون مع ذواتهم و زمنهم ..
نفس الكلام الذي أسمعه الان عنهم سمعته عن قديماً عن كاظم الساهر وعزيز الرسام ..
لست معنيا بالدفاع عنهم أو التسويق لهم انما معني بقراءتهم كعلامات ثقافية ..
انه عصرهم وهم متصالحون معه وناطقون عنه وليس عصرنا نحن الذين اذا ضامنا الضيم هربنا الى أيّام عرسنا بدل المواجهة والقفز الى الأمام !
وأيّة أعراس كانت !
ثمة فرق في التكوين النفسي بين جمهور حاسبينك مثلا وجمهور سعدون الساعدي
فالذي يحب حاسبينك أكثر وعياً وأعمق وجعاً بلا شك ولكنه فصامي رأسه في زمن وبدنه في زمن آخر …
أما الذي يحبّ (صمون عشرة بألف ) أكثر ثقة وواقعية وحركيّة وقدرة على مواجهة هذا الصخب والجنون الذي ملأ عالمنا ..
(صمون عشرة بألف ) جملة ثقافية تحمل مضمراً على الرخص والهوان وكأنه يريد أن يقول ( أوطان عشرة بألف ،مدن عسرة بألف ، بشر عشرة بألف ،قيم عشرة بألف ، احلام عشرة بألف ، جثث مجهولة عشرة بألف ، مستقبليات مجهولة عشرة بألف ، نظريات عشرة بألف ، دواوين شعر عشرة بألف ، رسائل ماجستير ، اطاريح دكتوراه ، شهادات ، رتب ، عگل ، مضايف ، ذمم ، ضمائر ، خيانات ،وكلها عشرة بألف ) ..
ماذا تريدون لهم أن يقولوا بعد عقود من الضياع والتساقط والهزائم العسكرية والثقافية والأخلاقية ؟
ومن قال إن الأنساق التي أنتجت حاسبينك وسواها من الكنوز الفنية لم تُسهم في انتاج مأساتنا بطريقة ما ؟
ومن قال إن العمق دائما مفيد ؟
احيانا يكون قاتلا !
ألا نتسابق الى السطح حين نخاف الغرق ؟
المشكلة ليست فيهم بقدر ماهي فينا نحن المغتربين الذين أضاعوا زمنهم ولم يلتحقوا بالزمن البديل ..
المشكلة فينا نحن ضحايا المثاليات المهزومة
نحن حرّاس المركزيات التي كنا أوّل ضحايا ومع ذلك مازلنا نذود عنها ونعتمدها كمعيار وحيد في محاكمة كل ماهو جديد ومغاير…
نحن ورثة اجدادنا الواقفين على الأطلال مخافة آتٍ سيجيء حتماً ولكن لن يجدنا…