عقيدة الحياد.. عبدالحميد الصائح

كتب عبد الحميد الصائح:

عقيدة الحياد

كان الحياد بين المتخاصمين أماناً وابتعاداً عن المشاكل وراحةَ بال، كان كالوقوف على التل للفرجة أو التلصص من ثقب الباب على المعركة  وكثيراً ماوصفوا الحياد موقفَ المتخاذلين في الفكر السياسي، والشيطانَ الأخرس في الوعظ الديني، وخيارَ الجبناء في السمعة العامة.
وقد انشغلت البحوث العلمية كعادتها بقضية الحياد سواء في الإعلام أو الدين أو الفكر أو المجتمع، فمنهم من يرى أنَّ الحيادي منطقي وموضوعي، يناقضه آخر بأنَّ الحياد ضدّ الموضوعية بل يذهب إلى أنَّ الحيادي لا فكر له لأن الحياد يقتل الأدلجة والانحياز الذي يتطلبه البحث عادة للتوصل إلى نتائج، وهنالك حياد الرفض وحياد الاستسلام وحياد تصيد الفرص فيما يرى آخر أنَّ الحياد أصل العدالة، ومن يرى أنَّ الحياد ممر بين الجهل والمعرفة، وضربوا أمثالاً من الحياد الذي شُبّه بالعزلة ومنها المعتزلة: الفرقة الشهيرة التي تأسست بفعل الاعتزال والجدل والخلاف في التاريخ الإسلامي، وهناك من حسم الأمر تماماً وقال إن الحياد أمرٌ مستحيل؟ فمن الصعوبة بمكان أنْ يكون الشخص محايداً، إذا حاد المنطق انحاز الهوى، بمعنى إذا ما اتّزن العقل تسلل القلب، بل أن بعضهم وصف الحياد بالمرض.
فريق آخر يرى – وهذا مربط الفرس – أنَّ الحياد خيار الشاطر – قبل لا يروح بالرِجلين – في أي نزاع ثنائي، متحملاً قائمة الإهانات المعتادة الدينية والدنيوية على حدّ سواء مثل الجبن وحب الدنيا وعدم تحمل المسؤولية والتهرب من اتّخاذ القرار والخوف على المصالح. فالسؤال هنا، هل مازال فن أو حيلة الحياد طريقَ نجاةٍ في حياتنا الراهنة؟ الجواب لا، لم يَعدّ كذلك، لأن الحياد الذي كان هروباً من نزاع العقائد والأفكار تحوّل اليوم هو نفسه إلى عقيدة.
مهمة المحايد أنْ يدافع عنها ويحشّد لها الأتباع من الدعائم والدواعم، على المحايد أنْ يحارب جميع الأطراف المتصارعة كي يبرهن حياده، وأن يضحي بالغالي والنفيس دفاعاً عنه،لم يَعدّ المحايد آمناً أو متراخياً، بل انتقل إلى المواجهة مع الازدواجية والدجل وخطاب الأوجه المتعددة واستغلال الوطن ونهب المال العام والمتاجرة بالعقائد وتحالف اليمين واليسار في السياسة والمال والمؤامرات المحلية والدولية الغامضة، يحارب بسيفين ويفند رأيين متخالفين ويستعد لمقاتلة جيشين متعاديين.
وهكذا انتهكت عذرية الحياد وتسلّح مثلما يتسلح منافسوه، واشتعلت بالمخاطر منطقتهُ الآمنة المسالمة التي كانت تسمَّي ساحة المتخاذلين والجبناء الآمنين ومحبي الحياة ومطفئي الحرائق.
وأصبحت لها طبقات من المحاربين البواسل المتمسكين بـ: (عقيدة الحياد)، وطبقة أخرى من المجتمع البسيط المحايد المدلل المستفيد سابقاً الذي تحوّل اليوم إلى نازح ومهجر ومسبي بعد أنْ فقد كلّ شيء هارباً بدينه وروحه وشرفه من أفاعي السياسة وحيتان الإرهاب، ربما هي نفسها رؤية نبي الله محمّد (صلّى الله عليه وعلى آله وسلم) “يأتي على الناسِ زمانٌ يفرّ المؤمنُ بدينهِ من الفِتَن” أخرجَه البُخاري.