على ماذا تُذرف الدموع؟.. حسن مدن

كتب: د. حسن مدن

الكاتب، والمناضل لويس سيولفيدا الذي عجزت ديكتاتورية الجنرال التشيلي بينوشيه عن ثني إرادته وقهره، تمكّن «كورونا» منه، فهدّ قواه حتى مات قبل أيام بعيداً عن وطنه، في إسبانيا، التي اختارها وطناً بديلاً له.

القراء العرب يعرفون الكاتب من خلال ما ترجم له من روايات، أهمها «العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية»، وهو عنوان مخادع، لأن الرواية تعبر عن ملحمة حب بين الإنسان والطبيعة، تدور أحداثها في غابات الأمازون، حيث جاء الرجل الأبيض لا ليبيد السكان الأصليين، الذين أسماهم هنوداً حمراً، فقط لأن غاية غازي القارة كولومبس كانت الهند، وإنما، أيضاً، ليتوحش مع كائنات الغابة وأشجارها في بحثه النهم عن مناجم الذهب والماس.

استوحى الكاتب فكرة روايته من معايشات له، حين أقام بضعة أسابيع في غابات الأمازون من الجهة الإكوادورية خلال السبعينات، تعرّف خلالها إلى حياة قبائل من السكان الأصليين المعروفين بالشوار، فحوّل ما تتعرض له غاباتهم المطيرة من جور الصيادين والمنقبين عن الذهب إلى مادة لروايته، التي نقلها إلى فيلم الأمريكي ريتشارد درايفوس عام 2001.

كان بطل لويس سيولفيدا، الذي بالكاد يفك الحرف مولعاً بقراءة الروايات العاطفية ذات النهايات الحزينة حتى ذرف الدموع، كما كان يقول، حين يبدو الحب مستحيلاً، ولكنه مع ذلك باعث على الصدق. لكن هل حقاً كانت الدموع تذرف للنهايات الحزينة في الكتب، أم على واقع شديد القسوة والصرامة؟

لم يكن سيولفيدا، على أي حال، غاوياً لذرف الدموع. كان مقارعاً لتلك القسوة، بكل ما أوتي من إرادة وعزم، فالرجل الذي ولد لعائلة مناضلة، وجد نفسه بعد انقلاب أوجستو بيونشيه على الحكومة المنتخبة بقيادة سلفادور الليندي عام 1973، سجيناً مع مجموعة كبيرة من الناشطين والمفكرين الذين تعرضوا للتعذيب، وأمضى فيه ثم في الإقامة الجبرية عدة سنوات، قبل أن يفر ويتخفى، حتى قبض عليه ثانية وحكم بالسجن لمدة 28 عاماً، لكن مطالبات دولية انتهت إلى الإفراج عنه مقابل مغادرته تشيلي.

تعدّ كتب سيولفيدا من أكثر الكتب مبيعاً في العالم، وترجمت إلى عشرات اللغات، وهو، إلى ذلك، ناشط في مجال العمل السينمائي، ومنخرط في النشاط السياسي، ويبدو أن الكاتب أصيب ب «كورونا» في البرتغال التي كان في زيارة لها لحضور مهرجان أدبي، حيث أمضى، بعد عودته لمستقره في إسبانيا، ستّة أسابيع في أحد مستشفيات مدينة أوفييدو قبل أن يتوفى، فيما لا زالت زوجته الشاعرة كارمن يانيز المصابة بالفيروس أيضاً تخضع للعلاج