على وقع اعلان الاعتراف بموت المحكمة الاتحادية القاضي خالد الأعرجي يكتب : القضاء العراقي في عهد الرئيسين

يس عراق :

القضاء العراقي في عهد الرئيسين

بقلم ✍🏻
القاضي خالد الأعرجي

يعدُّ القضاء العراقي صمام أمان لبقاء هيبة الدولة وديمومتها على مرِّ العهود التي شهدها العراق، وبمختلف الظروف الحسَّاسة، ومنها الظروف الحالية التي نشهدها، إذ إن رئاسة مجلس القضاء الأعلى قبل عام ٢٠١٧ في عهد القاضي “مدحت المحمود” كانت غير صالحة وغير موفقة تماما في قيادة القضاء وإدارته؛ بسبب حرص الرئيس السابق الشديد على إرضاء رغبات الأحزاب والزعامات السياسية، وتنفيذ طلباتهم وفق أمزجتهم الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب القانون وسمعة القضاء، ولا ننسى أيضًا الدور الخبيث الذي لعبته السفارة الأميركية في بغداد، إذ إنها كانت الداعم الأساسي لبقاء مدحت المحمود بمنصبه في الفترة المنصرمة، وقد عملت جاهدة ضد أي تحرك يسير نحو إقالته أو إحالته على التقاعد.
كلُّ هذه التراكمات الفاشلة كلفت القضاء ورجالاته الكثير، إلى أن وصل الأمر بمدحت المحمود أن يقوم بفتح الباب على مصراعيه أكثر، ومنح الأحزاب الضوء الأخضر لزيادة حجم تدخلاتهم السافرة في شؤون القضاء، ومنها معاقبة القضاة ونقلهم بمجرد توصية هاتفية تأتي من أي مسؤول حكومي إلى هاتفه، دون الالتفات إلى تبعات مثل تلك القرارات وآثارها الخطرة في سمعة القاضي أمام أهله والمجتمع وتاريخه الوظيفي. كلُّ ذلك من أجل ضمان بقاء المحمود في المنصب.
لقد بقي القضاء العراقي يعاني باستمرار جراء سياسات المحمود، إلى حين إقرار القانون الجديد رقم ٤٥ لعام ٢٠١٧ الذي أزاح مدحت المحمود من منصبه، وتولَّت بعده القيادة الجديدة رئاسة مجلس القضاء الأعلى الموقر، برئاسة معالي الدكتور فائق زيدان، فقد عملت السياسة الجديدة لرئاسة المجلس على إصلاحات وتغييرات كبيرة وشاملة ومؤثِّرة في مجريات العمل القضائي والإداري للمجلس وتوابعه، ومن أهم ما أُنجزَ هو قطع الطريق أمام تدخلات الأحزاب والشخصيات السياسية في عمل القضاء، وكان معالي الرئيس الدكتور موفقا “جدا” في ذلك الأمر، وقد أدار دفة الأمور لصالح هيبة القاضي واستقلال عمله القضائي، وازدادت كثيرا ثقة المواطن العراقي بالقضاء، فضلا عن احترامه الكبير في الآونة الأخيرة؛ نتيجة قراراته الشجاعة المتخذة التي كان المجتمع العراقي بأمسِّ الحاجة إليها، حينما جعل ما يعرف بـ “الدكة العشائرية” و”النهوة” ومطلقي العيارات النارية في المناسبات الاجتماعية؛ من جرائم التهديد والإرهاب المؤثرة في السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي العراقي. وكذلك كسر حاجز الخوف والرهبة الذي زرعه “مدحت المحمود” في نفوس البعض، وذلك بإحالته المسؤولين الفاسدين إلى القضاء ومحاكمتهم وإدانتهم بكلِّ حرية ووفق القانون. ومما يحسب لمعالي الرئيس الدكتور انفتاحه الإيجابي على المحيط العربي والإقليمي والدولي، وتبادل الزيارات المكوكية والخبرات القضائية مع المملكة المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية التركية، وإيفاد القضاة إلى تلك الدول وتدريبهم واكتسابهم المزيد من الخبرات القضائية الحديثة المتطوِّرة، بخلاف واقع حال القضاء العراقي في عهد “المحمود”، إذ كان قضاءً “منغلقًا” يعيش أيام محنة حصار سنة ١٩٩١. وفضلا عن كلِّ ذلك، قامت الرئاسة الجديدة للمجلس بتسمية يوم ١/٢٣ من كلِّ عام يوما “وطنيا” للقضاء العراقي، أسوة ببقية مؤسسات الدولة العراقية …
وقد واكبت الرئاسة الجديدة لمجلس القضاء الأعلى الأحداث الحالية في العراق، متمثلةً بمواقفها الوطنية واستجابتها السريعة لنداء المرجعية الدينية العليا الكريمة في خطبة صلاة الجمعة على ضرورة دعم مطالب المتظاهرين السلميين، بمكافحة الفساد المالي والإداري، وقد أسست رئاسة المجلس لهذا الغرض محاكم مركزية لمحاكمة الفاسدين، وتقديم الدعم المعنوي لجميع المحاكم والقضاة؛ من أجل تطبيق القانون على الجميع من دون أي استثناء.
قد كان عزم الرئاسة حاضرا في جائحة كورونا، بتوجيهها القاضي بمراقبة أسعار المواد الغذائية والطبية في الأسواق، ومحاسبة مخالفي حظر التجوال الصحي، والمعتدين على أفراد القوات الأمنية. والنقطة البيضاء المشرقة والمميزة في تاريخ عمل مؤسسات الدولة العراقية هو استمرار عمل المحاكم في جميع أنحاء البلاد، على الرغم من تعطيل الدوائر الحكومية منذ انطلاق تظاهرات تشرين الأول حتى الآن.
إنَّ كلَّ هذه القرارات الشجاعة كانت محطَّ احترام وتقدير من المواطن للقضاء العراقي ولمجلس القضاء الأعلى برئاسة معالي الرئيس الدكتور فائق زيدان، القريب من أبناء الشعب ومعاناته في ظلِّ هذه الظروف الصعبة، بعكس “مدحت المحمود” الذي كان “مشغولا” بمواصلة إرضاء الأحزاب والزعامات السياسية حتى آخر يوم في منصبه، وقد تغاضى عن معاناة أبناء شعبه، ويجب أن لا ننسى وصمة العار الذي شهدها عهد المحمود بتقديم عشرات القضاة طلبات يرومون فيها إحالتهم على التقاعد وترك الوظيفة؛ بسبب سياساته العدائية الانتقامية …
وبالتالي؛ فإن الفارق كبير وملموس وواضح “جدا”، والواقع كاشفٌ من خدم القضاء والقضاة في عهد الرئيسين …!!!!!