عندما انقذني آدم سميث من حيرتي

كتب علي حسين – خبير اقتصاد:

عندما انقذني آدم سميث من حيرتي
لم أكن قد بلغت الثامنة عشر من عمري عندما اطلعت للمرة الأولى على كتب تتعلق بالاقتصاد . كانت تجربتي الاولى مع كتاب صدر آنذاك بعنوان ” الاقتصاد السياسي ” كتبه اوسكار لانكه وترجمه محمد سلمان حسن ، كان الكتاب الذي جربت حظي فيه قد صدر الجزء الاول منه على ما اتذكر عن دار الطليعة اللبنانية ، في ذلك الحين كنت متعلقا بسيرة ماركس .. وكنت اتحول الى طفل حين اعثر على كتاب لصاحب اللحية الكثة ، او اسمع حديث عنه ، فما بالك وكتاب يتناول الاقتصاد عند ماركس وجماعته . في يوم من الايام وانا منهمك بحل الغاز كتاب ” الاقتصاد السياسي ” الذي لم افهم منه سوى جمل بسيطة ، دخل الى المكتبة استاذي ثامر مهدي وكان يشيع روح المرح في كل مكان يدخله ، وما ان شاهدني منهمك في القراءة حتى اختطف الكتاب من يدي وهو يقول بعد ان قرأ العنوان : تقرا لاوسكار لانكه ؟ .. قلت له انني اريد ان اجرب قراءة كتب الاقتصاد .. ابتسم وهو يقول لي : هل من المعقول تريد ان تفهم الاقتصاد السياسي وانت تضع رجلا على رجل وتتحدث مع الزبائن .. هذه الكتب لا تقرا إلا في هدوء تام فهي ليست رواية للمتعة ، انها محاضرات في الفكر والاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع … بعد سنوات قليلة تشاء الصدف واثناء عملي في مجلة الثقافة التي كان يراس تحريرها المعلم الكبير صلاح خالص ، ان التقي بالدكتور محمد سلمان حسن .. لم اكن قد تعرفت عليه من قبل ، وذات يوم ساجد شخصا انيقا يجلس في مكتب الدكتور صلاح الذي قدمني له ، ثم ما ان نطق الدكتور خالص باسم ضيفه وبدافع الاستعراض الثقافي الذي كان يلازمني انذاك ، قلت له بتردد انني اقرأ حاليا بكتاب اوسكار لانكه ” الاقتصاد السياسي ” ، فيما الواقع يقول انني وضعته على الرف الى جانب كتب ماركس وانجلز ، ابتسم وسألني بكل طيبة :” اين وصلت فيه ؟ ” كان السؤال محرجا ، وانا الذي لم اقم سوى بقراءة صفحات قليلة منه والاطلاع على الفهرست ، انتبه الرجل لحيرتي ، ولكي بيعد عني الحرج اضاف انه كتاب صعب وتخصصي ، ثم اخذ يحدثنا انا والدكتور صلاح عن علاقته باوسكار لانكة صاحب المؤلفات الشهيرة بالنظرية الاقتصادية الاشتراكية والحاصل على نوبل في الاقتصاد ، وكيف ارتبط معه بعلاقة عائلية حتى ان عائلة لانكة طلبت من محمد سلمان حسن ان يكمل الجزء الاخير من موسوعة الاقتصاد السياسي واخبروه بانها وصية لانكة قبل ان يرحل .. بعد هذا الحديث عن لانكة وكتابة عدت ثانية لاستعرض معلوماتي فقلت للراحل انني جربت ان أقرأ راس المال لكارل ماركس في ترجمة انطوان حمصي ، لكنني عزفت عن المحاولة بعد عشر صفحات يتيمة ، وحاولت ان اجد ضالتي في كتاب الفيلسوف البنيوي لوي ألتوسير” قراءة رأس المال ” الذي ترجمه السوري تيسير شيخ الارض ، ولكني فشلت ايضا فقررت ان اترك ماركس حاليا ، ابتسم المرحوم محمد سلمان حسن وهو يستمع الى شاب يخلط بين الاسماء ويحاول استعراض معلوماته ، ثم التفت الى الدكتور صلاح ليقول له :” تلميذك هذا يريدنا في ساعة واحدة ان نتحدث عن ماركس ولانكة والتوسير ، ثم نهض والتفت الي وانا أسير خلفه ليقول : كتاب التوسير ممتع لكنه يحاول ان يلوي عنق ماركس ولهذا ساحاول في المرة القادمة ان اجلب لك معي كتابا يبسط لك الافكار ، لا يعقدها .
كان محمد سلمان حسن الذي يجهل اسمه الان الكثير من مثقفينا للاسف ، قامة كبيرة ، رفض ثلاثة عروض لمنصب وزاري قدمته له ثلاث حكومات متتالية، لم يكن سهلا على طالب عراقي في بداية الخمسينيات من القرن الماضي ينتمي إلى حركة اليسار يقف في وجه الحكومة، يصر ويعاند بالرغم من سحب جواز سفره وفصله من البعثة الدراسية في ان يكمل تحصيله العلمي لينال دكتوراه في الاقتصاد من اعرق جامعات العالم ” اكسفورد” ويصبح بعدها واحدا من ابرز العقول الاقتصادية في العالم، ولتضعه الظروف مرة أخرى في مواجهة مهمة شاقة، وهي مكان بارز في الطاقم الذي سيهندس السياسة الاقتصادية للجمهورية العراقية الفتية عام 1958.
كان من جيل الحب والعطاء لا جيل القسوة والفظاظة والطمع. كان الكتاب عالمه ودنياه. أي كتاب يمكن العثور عليه، ولم يتقن محمد سلمان العربية فحسب بل الإنكليزية والفرنسية والألمانية أيضاً. وكان يقتصد في شراء اي شيء ألا الكتب ..ومضى يدرب نفسه كيف يصبح شيئا عظيما.. فكان النجاح حليفه وكانت الوظيفة والمناصب تسعى إليه لا يسعى إليها، يعود إلى الجامعة التي شهدته طالبا فقير الهيئة ليصبح احد أعمدتها..ترك عشرات الدراسات والبحوث والمقالات، إضافة الى ترجماته وكتبه، ومحاضراته في المحافل الوطنية والدولية وكتاباته حول جوانب مختلفة من الاقتصاد العراقي.
سانتظر الزيارة القادمة للدكتور محمد حسن سلمان على امل الحصول على الكتاب الي وعدني به ، وقد اوفي الراحل بوعده واحضر معه كتابا متوسط الحجم بعنوان ” قادة الفكر الاقتصادي ” – ترجمة راشد البراوي – وفيه استعراض لابرز النظريات الاقتصادية في العالم من آدم سميث الى جون كينز .. وهذا الاخير واعني ” كينز ” كنت أسمع باسمه للمرة الاولى . ما ان قرأت الصفحات الاولى من الكتاب وكانت عن آدم سميث حتى استهوتني هذه الشخصية العجيبة ، والذي كان يوصف بانه صاحب صوت غليظ أجش. كان فيلسوفاً متوحداً شارد الذهن. وكانت حياته وحدة من الغموض والفوضى الشاملة. الكتب والأوراق مكدسة في كل مكان في مكتبه.ومنذ طفولته كانت لديه عادة الحديث مع نفسه، ويبتسم مُغرقاً في حوارات مع رفقة غير مرئية، وتكثر القصص الغريبة عن حياته، فمرة يسقط في حفرة دباغة الجلود بينما كان يتحاور مع صديق، وذات صباح وضع الخبز والزبد في إبريق الشاي، ثم تذوّق الشاي بعدها ليقول إنه أسوأ فنجان شاي تذوقه في حياته، ومرّة خرج للمشي بملابس النوم مستغرقاً في أحلام اليقظة مُنتبهاً بعد عدة أميال خارج المدينة، وقد صرح صديقه الفيلسوف التجريبي ديفيد هيوم إنه كان أكثر من عرفهم في حياته شروداً .
قالت مارغريت دوغلاس والتي كانت حاملاً لجارتها :”يبدو أن هذا الطفل سيكون شؤماً على العائلة، فقد توفى والده في اليوم التالي الذي أخبرته فيه بحملي، وماتت والدتي بعد سماعها خبر الحمل بخمسة أيام، وأخاف أن أموت وأنا أولده، ولهذا سأسعى للتخلص منه”، كان زوجها المحامي ومسؤول الكمارك السابق قد توفي في كانون الثاني عام 1723 ، ولم تكن المرأة تدرك أن ابنها سيُحدِث ثورة في العالم، وإنه سيصبح أشبه بمعول يهدم كل ما قيل قبله عن الاقتصاد والعدالة الاجتماعية.
ولد آدم سميث في الخامس من حزيران عام 1723،، أصرّت أمّه على تسجيل اسمه في سجلات المدينة باسم أبيه”آدم سميث”، لا نعلم إلا القليل عن طفولته، فكتاب سيرته ، يخبروننا بأن أدم سميث كان بطيئاً في الفهم مما اضطر أمه أن تستشير عمها الكاهن الذي أوصى أن يأخذ دروساً في الكنيسة، ومن الأحداث المهمة التي أثرت على حياته، إنه تعرض للخطف وهو في سن الثالثة على يد مجموعة من الغجر، وبقي عندهم فترة من الزمن حتى تمكن خاله أن يعيده الى أمه، بعد أن تعلم القراءة في الكنيسة دخل المدرسة ولاحظ المعلمون إنه لايرغب في الدروس بقدر شغفه لقضاء وقت أطول في المكتبة، دخل جامعة أكسفورد من خلال منحة دراسية، وخلال سنوات الجامعة تمكن من دراسة النصوص الكلاسيكية في الأدب والفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع، لكنه فجأة يترك الجامعة ليتفرغ للكتابة والقراءة وبفضل الصلات التي تربطه بالفيلسوف الانكليزي فرانسيس هاتشون الذي درس على يديه في الجامعة، استطاع أن يحصل على وظيفة محاضر في الأدب وفلسفة القانون، وقد حظيت محاضراته باهتمام ومهدت الطريق للإنتقال الى حياة مهنية جديدة، ففي عام 1751 عاد للجامعة لإكمال دراسته ليعين بعدها أستاذاً للمنطق وفلسفة الأخلاق والبلاغة في جامعة جلاسكو. وفي تلك الفترة انتشرت أفكاره حول علاقة الاقتصاد بالأخلاق بعد أن نشر كتابه الأول”نظرية المشاعر الأخلاقية ” الذي نشره عام 1759، كان حينها في الخامسة والثلاثين من عمره، وقد اراد من خلال كتابه هذا أن يبين لنا إن أفكارنا وأفعالنا الأخلاقية ليست إلا نتاجاً لطبيعتنا باعتبارنا كائنات اجتماعية، وفي الكتاب يحدّد آدم سميث القواعد الأساسية للإهتمام بالنفس والعدل اللذين يحتاجهما المجتمع للبقاء، ويشرح الأفعال الأضافية الخيرية التي تمكنه من الإزدهار حيث يرى إننا جميعاً نهتم بمصالحنا الشخصية، لكن مطلوب منا أيضاً أن نعرف كيفية العيش مع الآخرين دون الإضرار بهم، لأن هذا هو الحد الأدنى الضروري لبقاء المجتمع، وفي قضية العدل يرى سميث إننا إذا أردنا بقاء المجتمع، فلا بد أن تكون هناك قواعد للحيلولة دون إيذاء أفراده بعضهم بعضاً، ويتمثل العدل ضمن مفهوم سميث في الكيفية التي يدافع بها المجتمع عن نفسه ضد أي ضرر، وفي موقفه من الثروة نجد إن آراء سميث ربما تصدم الذين يعتقدون إنه منظر للرأسمالية، فهو يؤكد إن وسائل الراحة المادية التي يمكن شراؤها بالمال ما هي إلا تفاهات، فليس بمقدور الغني أن يتناول من الطعام مقدار ما يتجاوز قدرة الآخرين على الأكل، وربما ينعم العامل في كوخه بنوم أهنأ من نوم الملك في قصره العظيم. فالثروة تعجز عن انقاذنا من الشعور بالخوف أو الحزن أو الموت، بعدها يحدد سميث طبيعة الانسان الفاضل، فهو يرى إن هذا الشخص يجسد صفات: الاهتمام بالنفس والعدل وعمل الخير وهناك أيضاً صفة رابعة هي صفة ضبط النفس. بعد سبعة عشر عاماً وبالتحديد عام 1776، يكتب سميث في مؤلفه الضخم ثروة الأمم:”إذا زال العدل، فلا شك إن النسيج العظيم الهائل للمجتمع البشري.. سيتفتت إلى ذرات في لحظة واحدة”.
كان آدم سميث أول من صاغ الفهم الجديد للمجتمع المدني بصورة دقيقة، ولعل سعيه الى دمج النشاط الاقتصادي وعمليات التسوق في فهم تشريح الحياة المتمدنة مَعلم مهم في مسار تطور فكر التنوير، فعمله الذي انصرف الى ملاحظة انحلال الرأسمالية التجارية واتساع الأسواق، والظهور المبكر للانتاج الصناعي الضخم، كان قفزة نوعية قياساً الى أعمال أسلافه ومعاصريه، فكتابه” ثروة الأمم، وهو أحد النصوص الكلاسيكية للاقتصاد والفلسفة السياسية، قد نشر في العام 1776 ويقع في صلب النظريات الحديثة للمجتمع المدني، إضافة الى أنه قدّم لنا في هذا الكتاب، نظريته الأساسية في الاقتصاد والتي لخصها بنقطتين اساسيتين يؤكد في الأولى إننا لا نعيش في المجتمع بفضل كرم القصاب أو الخباز، أو المزارع حتى وإن كان هؤلاء يوفرون لنا الطعام الذي نعيش من خلاله، بل إننا نعيش بفضل نظرة هؤلاء إلى مصالحهم الخاصة، تماماً كما إننا نحن بدورنا لا نقدّم الخدمات التي توفرها مهننا للآخرين إلا بالنظر إلى مصالحنا المرتجاة من تلك الخدمات سواء كانت مادية أو غير ذلك،. ويقول سميث”نحن عندما نسعى إلى الحصول على خدمات الآخرين من أصحاب المصالح والمهن، كما عندما نقدّم خدماتنا إلى الآخرين، لا نتوجه إلى ما لديهم من حس إنساني، بل لإدراكهم مصالحهم الشخصية. وبالتالي، فإننا حين نسعى للحصول على إنتاجهم، لا نخاطبهم انطلاقاً من رغبتنا في أن يتفهموا حاجاتنا، بل انطلاقاً من توجهنا إلى مصالحهم الشخصية”. أما التأكيد الثاني فهو ذاك الذي يقول إن الفرد:”في سعيه إلى تحقيق مصالحه الخاصة، غالباً ما يحقق مصالح الجماعة في شكل أكثر فاعلية ما يمكنه أن يفعل حين يعمل باسم المصلحة العامة. وأنا (آدم سميث) لم أصادف في حياتي أي عمل خيري من لدن أولئك الذين لا يكفون عن الإعلان بأنهم إنما يعلمون من أجل المصلحة العامة”.
والحقيقة إن آدم سميث وهو يقدم لنا أفكاره عن الاقتصاد في هذا الكتاب الضخم أراد أن يؤكد مفهوماً واحداً، هو أن العمل هو الأصل وهو الذي يؤدي الى تراكم الثروات وازدهار الأمم.
لم يكن سميث أكثر صراحة في أي موضع آخر من كتاب”ثروة الامم”والذي يتعلق في موضوعة عدم المساواة في المساومة بين أصحاب العمل والعمال، وفي معارضته لفكرة المتاجرة القاتلة بأن الأجور المنخفضة تجبر العمال على أن يعملوا أكثر، وبذا يزيدون في رخاء انكلترا، فيبدي ملاحظته على النقطة الأولى قائلاً:”يرغب العمال في الحصول على أكثر ما يمكن، ويرغب السادة في إعطاء أقل ما يمكن.. فوطّد العمال العزم على الاتحاد ليرفعوا أجور العمل واتحد أصحاب العمال ليخفضوها.
بعد ذلك ينتقل سميث من قضايا العمل الى الدفاع عن إصلاح قضايا الأرض، وهنا أيضاً يرى أن القوانين غير الملائمة تقف في طريق التقدم، فمعظم الأراضي البريطانية في القرن الثامن عشر، كانت خاضعة للوصاية، بوسع مالك الأرض أن يصدر قواعد لتقسيم أرضه ويبيعها، يلتزم بها ورثته لعدة قرون بعد موته، ومن العادات القديمة الأخرى، حق الابن الأكبر في جميع الميراث عن والديه، وهذه عادة اقطاعية تمنع تفتيت الملكيات الكبيرة، فبهذا القانون يكون الابن الأكبر هو الوراث الوحيد، وقد علق سميث على هذا بقوله:”لاشيء يمكن أن يضر بصالح أية أسرة كبيرة، إلا ذلك الحق، الذي فيه يغنى فرد واحد، ويسوق بقية الأولاد الى فقر يودي بهم الى مد أيديهم للسؤال”، وعلى هذا، أحث بالحاح على حرية الاتجارفي الأراضي بالغاء قوانين التوصية، وقانون حق الابن الأكبر في الميراث، وغير هذه من قيود نقلية ملكية الأراضي بالهبة أو بالوصية أو بالبيع.
إن أشهر قسم في كتاب”ثروة الأمم”هو الجزء الذي يتحدث فيه عن أنظمة الاقتصاد السياسي، حيث تناول سميث نظامين مختلفين، نظام التجارة ونظام الزراعة، وشغل موضوع التجارة مكاناً مهما حيث تناول فيه مبادئ”حرية العمل”التي اقترنت باسمه منذ ذلك الوقت، وقد انتهت المناقشة الخاصة بكل من العمل والأراضي والسلع والنقود والأسعار والزراعة والضرائب الى نقطة واحدة هي حرية التجارة داخلياً وخارجياً، لن تحصل الأمة على التقدم الكامل والرخاء إلا عن طريق التجارة غير المقيدة، في الداخل وفي الخارج، ناشد سميث الأمم إلغاء الرسوم الجمركية والتحريم من النظام التجاري، والاحتكارات التجارية للشركات ، فكل هذه القيود تعوق النمو الطبيعي للصناعة والتجارة وحرية وصول السلع الى المستهلكين كما طالب بترك مبدأ التوازن التجاري، الذي يحبذه التجار:” ليست النقود سوى أداة وليس هناك مقياس يمكننا بواسطته معرفة على أي جانب يقع ما يسمى بالتوازن التجاري بين دولتين أو أي منهما تصدّر بأكبر قيمة…. ليست الثروة في النقود ولا في الذهب ولا في الفضة، وإنما فيما تشتريه النقود ويستحق الشراء فعلاً”.
ولهذا يصر آدم سميث على ان تقسيم العمل ضروري بين الأمم كما هو بين الأفراد.
ماالذي ذكرني اليوم بآدم سميث بعد كل هذه السنوات ؟ ، ربما لعبت الصدفة ايضا دورها مثلما لعبت مع كتاب اوسكار لانكه . في معرض الكتاب الاخير الذي اقيم في بغداد ، واثناء تجوالي في جناح المركز القومي للترجمة وقع نظري على كتاب بعنوان ” إنقاذ آدم سميث .. قصة الثورة والتحول والفضيلة ” اختطفت الكتاب من الرف ودون ان اتصفحه دفعت ثمنه ، وكالعادة ما أن وصلت الى الصحيفة حتى بدأت اقلب صفحات الكتب التي اشتريتها ، وكانت المفاجأة ان الكتاب الذي اقتنيته عن آدم سميث ، لم يكن كتابا بالاقتصاد وانما رواية كتبها جوناثان وايت استاذ الاقتصاد بجامعة ريتشميد .. تركت الكتاب جانبا وانا اشعر بالحسرة ، فقد كنت أُمني النفس بقراءة جديدة لآدم سميث ، فاذا انا في مواجهة رواية تتجاوز عدد صفحاتها الـ”370 ” صفحة من القطع الكبير .. ولكي اعوض لهفي على قراءة سيرة آدم سميث بدأت بقراءة كتاب ” الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد” تاليف مارك سكويسين – ترجمه الى العربية مجدي عبد الهادي – وفيه يسلط صاحب الكتاب الشهير ” قوة الاقتصاد ” – ترجمته للعربية شيماء طه الريدي- الضوء على افكار آدم سميث وكارل ماركس وجون كينز الذي لي معه قصة اخرى حيث حاولت قبل سنوات ان اقرأ كتابه النظرية العامة في الاقتصاد – ترجمه للعربية نهاد رضا – لكنني اجلت القرار بعد ان قرأت التقديم الذي كتبه كينز لكتابه والذي يقول فيه :” يتوجه هذا الكتاب بالكلام وخاصة الى زملائنا الاقتصاديين ، ونتمنى او اتيح فهم لغيرهم ” .والعجيب وانا اقرأ كتاب ” الثلاثة الكبارفي علم الاقتصاد” وجدت المؤلف مغرما بآدم سميث ومنحازا له ، حتى انه يختتم كتابه بفصل بعنوان ” هل انتصر آدم سميث على ماركس وكينز؟ ” .
وبدافع الفضول قررت ان اعود لرواية ” إنقاذ آدم سميث ” لأقراها ، فوجدت المتعة ترافقها المعلومة الدقيقة، فالمؤلف استطاع ان ينقب في كل ما يتعلق بحياة آدم سميث واعماله ، وفي روايته نجد دقة العالم وخيال الاديب ، وساجد في الرواية ان المؤلف يؤكد ان كتاب ” ثروة الامم ” ليس هو اهم ما كتبه آدم سميث ، وانما هناك كتبه الفلسفية التي تسلط الضوء الحقيقي على تفكيره . يكتب في المقدمة :” لقد عمل سميث على صياغة نسق فكري ينتهي الى توحيد العلم الانساني خصوصا في مجال الاسواق والاخلاق . هذه الرؤية الاخلاقية الموحدة طالما اهملها الاقتصاديون . ولكنها اصبحت تحظى باهمية متزايدة في غمار الجدل المحتدم حول العولمة . إن سميث لا يسعده ان تنفصم الثروة عن اسسها الاخلاقية ، وهو يقدم تحذيرا قويا : أن المجتمع الحر والاسواق باتت مهددة بسبب اهمال الاساسيات ، وفي مقدمتها ضمان العدالة وغرس الفضيلة ” كان آدم سميث يرى ان السعي المحموم لجمع الثروات مفسدة ، مما يسلبنا تلك الاشياء التي تجعل لحياتنا معنى وتضمن سعادتنا الحقيقية والتي تتلخص في وجود ضمير انساني قائم على احساس حقيقي بغيرنا من البشر . أن آدم سميث يبشر بنموذج للاعمال اساسه القيم الانسانية ، بحيث يجمع بين ارقى عقل وارق قلب .. وسنجد ” ريتشارد بيرنز بطل رواية “إنقاذ آدم سميث ” ،يخاطب رجال المال والتجارة بالقول :” لديكم الشمع ، لكن لا ضوء بلا اوكسجين . لقد نسيتم الجوهر الذي يجعل الاسواق تعمل في المجتمع . إن السوق لا يمكن ان تعمل بمعزل عن الناس . فالناس بالنسبة للاسواق هم تماما مثل الاوكسجين بالنسبة للشمعة ، لا تضيء إلا به . إن حرية الإنسان اهم من حرية الاسواق ” .
……
الزمان : 1984
المكان : مستشفى الشماعية في بغداد
الاطباء والمرضى يسخرون من رجل يتحدث الانكليزية والألمانية والإيطالية بطلاقة ، لكنه مصر على ان يشتم النظام ويسخر من رجاله ، هناك تعمد جلادوه تجهيز المجانين بالهراوات للقضاء عليه، وحين أفرج عنه كان قد أنهك ، فمات بعد فترة قصيرة في أوائل عام 1989..كانت هذه نهاية محمد سلمان حسن اهم عقل اقتصادي عربي .