عن السيادة وشجونها.. فارس كمال نظمي

كتب الدكتور فارس كمال نظمي:

عن السيادة وشجونها…
عبد المهدي: بين الاعتلال النفسي وفساد المنظومة..!
.
لتفسير السلوك السياسي بأنواعه، فإنني أتحدث باستمرار عن منظومات سياسية (أي بنى أو سياقات شاملة) تعيد صهر الأفراد داخلها شمولياً ليتصرفوا وفق إملاءاتها وشروطها حتى لو أتى ذلك بالضد من الخصائص الشخصية لهؤلاء الأفراد. إلا أن ذلك لا يمنع من القول أيضاً أن السياق المنظومي يمكن أن يتأثر هو الآخر بسلوك هؤلاء الأفراد وخصائصهم الشخصية، ولو بنسب محدودة. فالكل هنا يبرز بوصفه أكبر من الاجتماع الميكانيكي للأجزاء، مثلما أن الأجزاء قد تمتلك أهمية نسبية معينة في إظهار صفات الكل وهويته. إنها جدلية الكليات والجزئيات في تفاعلها المتبادل اللانهائي.
.
وطبقاً لهذه الرؤية يمكن مقاربة شخصية السيد عادل عبد المهدي بوصفها أنموذجاً للسلوك السياسي المعتل الذي لم ينتج عن إملاءات المنظومة السياسية الفاسدة التي جاءت به فحسب، وهذا هو العامل الأكبر، بل هو ناتج أيضاً عن نمط شخصيته وسماته وعملياته الإدراكية والانفعالية، وتأثير كل ذلك ارتدادياً في أداء تلك المنظومة.
.
ففي اللحظة الحرجة التي كان فيها العراق يحتاج إلى زعيم يحترم ذاته السياسية بدرجة مهمة، أي قادر على مساءلة نفسه ومحاسبتها، جاءه شخص اعتاد على تبديل ولاءاته المعتقدية طوال مراحل عمره السياسي إلى حد اللامبالاة القيمية نحو امتلاك صورة سياسية ثابتة أمام نفسه ناهيك عن الآخرين. وهو في ذلك يقترب من اضطراب تفكك الشخصية – بالمعنى الاجتماعي لا السريري- وتعددها عبر الزمن، إذ أصبح يعاني من فقدان مَرَضي لهيبته الذاتية بلغ حد فقدان الحياء السياسي، ما أتاح للمنظومة السياسية إعادة تشكيل مواقفه وفق إملاءاتها، دون مقاومة تُذكر منه، ودون أن تحتاج لممارسة درجة عالية من الضغوط والتأثيرات عليه.
هذا الافتقار للشعور بالكرامة السياسية الشخصية بلغ درجته القصوى في عجزه الإدراكي لاستيعاب مفهوم السيادة الوطنية أو الدولتية، إذ بات يتعامل مع الانتهاكات الأمريكية والإيرانية الفظة للإطار السيادي للعراق، وما سبق ذلك ورافقه من اختراق الجماعات المسلحة للدولة وهيمنتها على مفاصلها الاقتصادية والأمنية بما فيها مكتب رئيس الوزراء، كما لو أنها مشكلات يومية عابرة بين أفراد عاديين، فيعمل على الاستطراد لتوصيفها لفظياً – في خطابات مملة- وبلغة جسد تعبّر عن دهشة مفتعلة، وتسليم قدري بما يحدث، واستذكار مقلوب للأحداث في غير تسلسلها الأصلي، وتقديم مقترحات ساذجة لحل أزمات مستعصية.
.
إن هذا التفكك التعددي بشخصيته السياسية بما رافقها من افتقار لاحترام الذات السياسية وللحياء السياسي وللكرامة السياسية، مع رغبة مستميتة للتمسك بممارسة السلطة حتى لو بشكل وهمي أو زائف، ودون أي ميل للاعتذار أو الاعتراف بالتقصير، تشكل جميعاً بنية مفاهيمية قيمية جامعة يمكن تسميتها بـ”الانتهازية السياسية” Political Opportunism. وهي تتصل وظيفياً ببنية إدراكية- انفعالية أخرى هي “الخرف السياسي” Political Dementia أي نزعته لتأويل الوقائع في غير سياقها، وإنكار مسؤوليته السياسية والقانونية عن جرائم قتل المحتجين واستهدافهم، مع برود عاطفي حيال آلام الناس، وتجاهلٍ لجذرية الأزمات، وتسفيه الآراء المضادة، والتمسك بوهم المعصومية، والتهويم وسواسياً في عالمه الذاتي المنقطع ذاكراتياً عن الحياة الاجتماعية، وحتى حينما يقارب الواقع السياسي أحياناً في لحظات نادرة، فإنه سرعان ما يغادره مهرولاً إلى تصوراته النمطية المغلقة.
.
إن هذا التحليل السيكولوجي المجهري للسلوك السياسي الفردي، لا يلغي أهمية السياق السياسي الشامل والمعقد للأحداث بما يتضمنه من مستويات أقل مجهرية وأكثر فوقية للتحليل، بل يندمج معه في إطار تفاعلي-تكاملي. فالمنظومة الفاسدة تتيح فرصاً مؤكدة لأفراد معتلين لاختراقها بل للتحكم بها وإدارتها. وفي الوقت ذاته، فإن هؤلاء الأفراد يوظفون اعتلالاتهم الشخصية لتجذير فساد المنظومة ومأسسته.
ولذا، فإن عبد المهدي بافتقاره إلى حس إدراكي وعاطفي بالحد الأدنى لمفهوم السيادة الوطنية، إنما يؤدي –تلقائياً- وظيفته الذاتية المشتقة موضوعياً من أداء المنظومة الإسلاموية الفاسدة التي قوضت سلفاً أي إمكانية فعلية لتجسيد سيادة الدولة وكرامة المواطن وهيبة الوطن.