فصل عراقي جديد

هشام داود

أمضيت الاسابيع الاخيرة (منذ الاول من تشرين الاول / اكتوبر) بالتنقل بين مدن وحواضر عراقية وشرق اوسطية، اتأمل طبيعة الحراك المجتمعي الذي لا اجد له من رديف (عراقيا) الا تلك الايام التي هزت المنطقة قرن مضى (ادرك، بطبيعة الحال، التباين السياسي والسوسيولوجي بين لاعبي الامس واليوم). وبالتالي، بالنسبة لي، ما يشهده العراق اليوم هي لحظة تاريخية تاسيسية.

لا اعتقد بأن « اصحاب » القرار يرون في المطالبات الشعبية على انها ضرورات، بعضها يُدرج ضمن الحقوق الطبيعية للبشر، والبعض الآخر كحقوق سياسية وثقافية اساسية (كالمطالبة بالحريات العامة والفردية، نبذ المراتبية المبنية على الزبانية والزيف والعنف المادي والرمزي، رفض الفساد الذي تحول الى منظومة، الخ). كالعادة، هم يختزلون الصراع الحالي في مقالب وحيّل يقف خلفها عدد لا يحصى من الشياطين.

ضد هذه المقاربة الكاريكاتورية شن الشارع العراقي حرب رموز ناجحة وذكيّة، كتحويلهم مطعم مرتفع في سماء بغداد الى نقيض جبل أحد، (قناصة اليوم مقابل خيالة خالد ابن الوليد بالامس). ذات السخرية الشعبية وظفها بالامس المصريون، لحظة استخدام شرطة حسني مبارك للإبل لتفريق المتظاهرين (حرب الجمل).

ما هو جاد وجوهري في هذه المعركة ليس فقط دفع السلطة الى الهامش، عزلها داخليا وخارجيا، بل نجحت الشبيبة العراقية في استرداد الرموز الوطنية والتاريخية، مقلصين بذلك شرعية السلطة في اضيق حلقاتها المحمية فقط بقوة السلاح: مثلا انتزاعهم العلم العراقي، اعادة اكتشاف مفهوم الوطن بسرديته الانسانية، توسيع قاعدة المقدس ليشمل الثوابت التي تعيد من خلالها كل جماعة بشرية بناء هوياتها الجامعة « اريد وطن »، موضوعات العدالة الاجتماعية، الخ.

نحن في بداية فصل عراقي جديد لو قدر له النجاح ليعيد جزء من ثقة المواطن بالعملية السياسية.