فن الرواية.. أحمد سعداوي

كتب: أحمد سعداوي

يؤكد العديد من المفكرين والنقّاد، ومنهم الناقد البريطاني باتريك بارندر على دور فن الرواية في “صناعة الأمة”. لاعتبارات عديدة منها ارتباط صعود الرواية كفن حديث مع ولادة المدينة المعاصرة، وانعكاس قيم هذه المدينة داخل مرآة الرواية، بما تحمله “المدينة والرواية” من سمات التعدد والتنوع والتجاور، وذوبان العلاقات الاجتماعية القديمة، الاقطاعية والارستقراطية، وولادة الطبقة البرجوازية المتحمورة حول المهن والحرف والمهارات لا الانساب والتمييز الطبقي القديم بين نبلاء وفلاحين وما الى ذلك، وولادة المجتمع الصناعي وريثاً للمجتمع الزراعي وعلاقاته القديمة.

يصدق هذا الكلام في الحقيقة على الرواية منذ بداياتها الواقعية مع بلزاك وحتى وقت قريب من عصورنا الحديثة، ولكنها اليوم ليست وحدها، مع صعود السينما والدراما التلفزيونية، والفنون البصرية، فكلها تزاحم مهمة الرواية في “صناعة الأمة”.

كمثال على ذلك؛ تقوم اليوم شركات مثل نيتفلكس وأمازون فيلم وغيرها بدور خطير في انتاج صورة للأميركيين عن أنفسهم داخل سياق الدور المفترض لأميركا في العالم، ومسؤوليتها في العالم وعن العالم.

إنها بما تنتجه من مسلسلات وأفلام تضع المواطن الاميركي في أي مكان كان من أرض الولايات المتحدة داخل رقعة شطرنج واسعة تشمل علاقته بالمواطنين الآخرين المتنوعين في خلفياتهم الدينية والعرقية، وعلاقة أميركا مع العالم.

ثم نتلقى نحن، خارج حدود الولايات المتحدة هذه الصورة محمولة على رافعة الانتاج الفني الرصين والمتقدم، لنتعرّف أكثر على أميركا، ولنجد أنفسنا في علاقة ما مع “أميركا المتخيلة من خلال الفن”. وأيضاً لنتلقى القيم الاميركية المعكوسة في هذا الفن على أنها قيم عالمية.

للأدب والفن اليوم دور خطير في كسر العزلة التي تطوّق أنفسنا وتحريرها داخل شبكة علاقات أوسع تنتج صورة المجتمع والوطن في مخيّلاتنا، خارج مدار الصور الضيقة والعنصرية التي تصدّرها الطائفة والعرق والثقافات المحلية الصغيرة، وخارج حدود التباين الطبقي والقبائلي والاحتماعي ما بين سكان ريف ومدينة وما الى ذلك.

أمة بلا أدب ولا فن متقدم.. هي أمة تفشل في رؤية نفسها، وتستسلم لضياع صورتها بين قبائل المجتمعات الضيقة ما قبل الوطنية.

*كاتب وروائي عراقي