فن السقوط المسيطر عليه.. مرتضى كزار

كتب: مرتضى كزار

أظن أن جزءاً كبيراً من مشكلاتنا في الحقول الابداعية، كالكتابة والانتاج الفني بمختلف أشكاله، يمكن تلخيصه باستسهال الصعوبة،  فنحن أولئك الذين لايؤمنون مثلاً أن الكتابة عملية بالغة الصعوبة وتحتاج إلى «سنوات» من المران، نتناسى الأمثلة التي تظهر الكتّاب العظام كشيوخ ومجربين، ونستحضر حصراً  النماذج العبقرية والشباب الموهوبين وهذه استثناءات لها اشتراطاتها وليست الوضع الشائع في تأريخ الأدب.

من حيث أتينا، في عالمنا العربي يسهل جداً أن يكافئك الناس على عمل لست ممتازاً في صناعته، تستيقظ وأنت الزغب المبتدئ لتجد نفسك نجماً متوجاً في تخصص ما، ولكنك في معايير العالم أدنى من هاوٍ، يحقنونك بالعظمة ويطلقونك في الهواء وحينما تبلغ السماوات وتقابل أقرانك من العوالم الأخرى ستعرف أنك محقون بهواء مغشوش، غاز غير  نبيل لا يساعد على الطيران،  في عالمنا ينشرون لك كل شيء، وتجد من يقدر موهبتك الغضة ويعاملك كوليم فوكنر، بينما تسلّم جيمس مارلون ٧٢ رسالة رفض لكي ينشر روايته الأولى، التي لم ينشرها ولعله لن يفعل!، نحن في مناخ ابداعي لا يتسلم فيه أحد رسالة تقول له : شكراً لمشاركتك واهتمامك لكننا نعتذر عن …. إلخ.

محرومون من فضيلة الشعور بالرفض، وعلى رأي صديق أعرفه كان مواظباً دون انقطاع على التقديم سنوياً لدرجة الماجستير في الكتابة الفنيّة بجامعة واشنطن: الكتابة هي مهنة التعاطي مع الرفض.

كان لحوحاً مزعجاً حتى نالها في آخر المطاف، بعد أن بلغت مهارته حداً لا يصح معها الرفض.

يعرّف أحد المحررين في دار نشر أجنبية مرموقة مهنته بالقول: هي الجلوس أمام الحاسوب تسع ساعات في اليوم لارسال رسائل الرفض للكتّاب.

ما أثق فيه هو أن مؤسساتنا مجهزة بكل أدوات الطبطبة على السهولة والاستسهال وكأن الشعار هو أن الكد في التعلم وتذليل الصعب هو أمر  «محتقر ٌ في همتي.. كشعرة في مفرقي»، على رأي المتنبي.

هنالك جذر ثقافي لا يريد أن يعترف بالصعوبة في الكتابة على الأقل، كما لو كانت عيباً أو عاراً، ولا يؤمن بمعنى التكريس في كتابة النص المتخيل، أي أن هناك من يكرّس حياته وحواسه كلها من أجل الكتابة، مدى الحياة، طقس مؤبد مع الكلمات الشاقة، ولن يردعه نقد أو ريڤيو أو رفض، لأنها ليست هواية أو طريقة حياة أو موهبة أو صنعة، إنها شيء لم يكتشف كنهه بعد.

لاحظ لطفاً، قبل أن تعتقد بأني ageist أو ذلك الذي يمايز بين الناس عمرياً كما يسمونه هذه الأيام، وهي خصلة غير أخلاقية، أنا لا أتحدث عن الاعمار والتحقيب الأدبي ولا عن الأجيال وتزاحم الشيوخ مع الشباب، أتحدث هنا عن التصورات المضللة – والقاتلة!- التي تخلقها المؤسسات والمحافل الثقافية العربية في أذهان الكثيرين وهي تدشن لهم طريقاً حلمية غير متعبة وتبسط لهم عتبة خضراء موهومة نحو «المجد».

ولذلك طبعاً أسبابه ودوافعه وانحيازاته، وليس هذا مقام الحديث عن هذه الأمور.

من جانب آخر، الرفض ليس غاية وليس الطريق المثلى، إنما هو من أعراض الطريق ومحطاته التي ينبغي التهيؤ لها، وقد لا يكون وجوده واجباً، وقد لا يكون نزيهاً أصلاً في بعض الأوساط، بل هناك من يستعمل المنطق أعلاه للتسامح مع التعقيدات السياسية وانعدام العدالة في حياتنا العربية.

المشي هو عملية سقوط مسيطرٌ عليها، هذه واحدة من قواعد فن الرسوم المتحركة، قد تنفع هنا، فكيف يصل إلى السماء من لم يعرف معنى الوقوع لسنوات، بل كيف يحرك أطرافه.

«احثوا في وجوه المادحين التراب»، من نصوص نهج البلاغة التي لا أنساها، فقد يكون المادح قاتلاً يستحق أن تدافع عن نفسك أمامه وتصم عينه بالتراب، بينما قد يكون القادح الرافض هو المتكفل بالوصول الآمن إلى عتبة الاتقان؛ قد.

أضف إلى كل ذلك، سعار السوشل ميديا التي جعلت قطف المديح والرضا من أسهل ما يكون، فاشتعل اللهاث حول تحقيق المنجزات الصغيرة السريعة التي لا تكلف جهداً ولا تتطلب صبراً.

*كاتب وروائي عراقي