فيروس كورونا.. كيف نُقيّم الخطر؟.. نيكولاس كريستوف

كتب: نيكولاس كريستوف

«آليس ولووفيتش»، ممرضة متدربة، بدأت مناوبتها في أحد مستشفيات فيلادلفيا ذات صباح. أصيبت بالمرض خلال نوبتها، وتدهورت حالتها بسرعة، وماتت تلك الليلة.

كان ذلك في 1918، وكان الناس يسقطون ويموتون في كل مكان، جراء وباء الإنفلونزا الإسبانية. مستشفيات فيلادلفيا الـ31 كانت قد امتلأت عن آخرها وأخذت تصرف المرضى القادمين إليها، الذين كانوا يعرضون رشى كبيرة على العاملين هناك من أجل إدخالهم. وأُرسل ضباط شرطة بكمامات جراحية لانتشال الجثث من المنازل، ولكن 33 ضابط شرطة ماتوا في غضون أسابيع.

وكتب «جون باري» في كتابه حول ذاك الوباء يقول:«في كل بيت تقريباً، كان هناك شخص مريض. إنها الإنفلونزا الكبرى». وأضاف: «كان الناس يتجنبون بعضهم بعضاً، ويديرون رؤوسهم إلى الجهة الأخرى إذا اضطروا للتحدث. وزادت شركة الهاتف من العزل: فمع غياب 1800 موظف بدالة في شركة الهاتف، لم تسمح الشركة سوى بمكالمات الطوارئ فقط».

كما أُلغيت الفعاليات الرياضية. وأُغلقت المسارح، ومُنعت المصافحة في «بريسكوت»، ولاية أريزونا. وأنشأت فيلادلفيا ست مشارح إضافية على عجل. وكانت الأسر تضع ورق الكريب على مداخل البيوت وعتباتها للتأشير على حالة وفاة في الداخل. وكان ورق الكريب في كل مكان.

وباء الإنفلونزا الإسبانية لعام 1918، الذي قتل 50 مليون شخص على الأقل في العالم، يُعد المقياس الذي تقارن به الأوبئة منذ ذلك الحين. وعلى مدى عقود، دعا خبراء الصحة العامة إلى استعدادات لـ«وباء آخر كبير» – غير أن الاستعدادات الكافية لم تتم أبداً.

ولا أحد يعرف ما إن كان فيروس كورونا سيكون «وباء كبيراً»، وذلك على اعتبار أنه ما زالت ثمة إمكانية لأن يتبدد. وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، فإن شخصاً واحداً فقط مات بسببه في الولايات المتحدة، في حين يموت الآلاف عادة سنوياً جراء الإنفلونزا الموسمية. ولكن الخبراء يقولون، على نحو متزايد، إن علينا أن نستعد من باب الاحتياط والاحتراز فقط.

«هل نحن بصدد رؤية تكرار لسيناريو 1918؟»، هكذا تساءلت دورية «ذا نيو إنجلند جورنال أو ميديسن»، وهي دورية رصينة غير معروفة بالتخويف أو المبالغة. ويعتقد بيل جيتس، الذي حذّر من خطر الأوبئة على مدى سنوات، أن هذا الفيروس يمكن أن يكون «الوباء الذي يضرب مرة في القرن»، مضيفاً: «آملُ ألا يكون الوضع بذاك السوء، ولكن ينبغي أن نفترض أنه سيكون كذلك إلى أن نتأكد من خلاف ذلك».

وإذا كانت الأرقام غير أكيدة، فإن فيروس كورونا يمكن أن يقتل 2 في المئة من الأشخاص المصابين، وإذا صح هذا، فإنه سيكون مماثلاً لخطورة إنفلونزا 1918. أما وجه الشبه الآخر مع إنفلونزا 1918، فهو أن الولايات المتحدة والعالم غير مستعدين لوباء.

«إننا غير مستعدين بشكل كبير»، هكذا قال لي الدكتور إروين ريدلنر، الأستاذ بجامعة كولومبيا ومدير «المركز الوطني لجاهزية الكوارث».

اللافت في هذا الصدد، هو أن الرئيس دونالد ترامب يبالغ بشأن التهديد الذي تطرحه مجموعات المهاجرين، كما أنه حوّل اتجاه مليارات الدولارات من الجيش من أجل بناء جدار حدودي يقطعه المهرّبون بمناشير يشترونها بـ100 دولار. ولكنه غير قادر على استيعاب تهديدات الأوبئة: ففي 2018، أزال البيتُ منصب محاربة الأوبئة داخل مجلس الأمن القومي، وسعى إلى تقليص جهود محاربة الأوبئة وحصرها في نحو 10 بلدان بدلاً من 49. وهو ما حدا بخبراء وقتها إلى التحذير من أن هذا القرار ينم عن قصر نظر.

وفي وقت نحتاج فيه إلى قيادة حكيمة تستشير العلماء وتستعين بآرائهم في اتخاذ القرارات، نجد أنفسنا إزاء رئيس قليل المصداقية وذي علاقة متوترة مع العلماء.

وفضلاً عن ذلك، فإن الولايات المتحدة في وضع هش بسبب نقص طويل في نظام رعايتنا الصحية. ذلك أننا البلد الغني الوحيد الذي ليس لديه تأمين صحي عام وإجازة مرضية مدفوعة الأجر، كما أن لدينا عدداً أقل من الأطباء، مقارنةً مع عدد السكان، قياساً إلى بلدان تشبهنا.

الدكتور بيتر جاي هازلتاين، رئيس مركز بحوث يدعى «آكساس هيلث إنترناشيونا» («الدولية للوصول إلى الصحة»)، قال لي إن لقاحاً ضد فيروس كورونا قد يستغرق تطويره واختباره ستة إلى ثمانية أشهر– بعض التقديرات الأخرى تتحدث عن فترة أطول – وهذا ينبغي أن يشمل استثماراً فدرالياً فورياً من خلال مشروع «بايو-فيلد». كما أننا في حاجة إلى تشخيص وعلاج أحسن، إضافة إلى مزيد من أجهزة التهوية من أجل الإبقاء على الناس أحياء.

وإلى ذلك، علينا ربما أن نفكر بشأن تقليص فرص وحالات تكدس الناس في مكان واحد، وهذا قد يعني أشخاصاً أكثر يعملون من البيت قصد تفادي المكاتب والحافلات وقطارات الأنفاق. وقد يعني أيضاً تجنب الفعاليات الرياضية، والتجمعات المدرسية، والحفلات، وحتى الزيارات غير الضرورية إلى عيادات الطبيب المزدحمة، ولعل هذه فرصة مناسبة لتطوير التطبيب عن بعد.

والواقع أن لدي حفلي تخرّج هذا الربيع لأحضرهما، ولكن لا أحد يعرف ما إن كانا سينظمان. الخبراء لا يستطيعون الإجابة عن الأسئلة التي لدينا جميعاً، ولكنهم يقولون إننا سنتمكن من الصمود والنجاح، إن قمنا باستعدادات مع الاعتماد على العلم والأدلة، بدلاً من الاعتماد على زعماء سياسيين يحاولون الدفاع عن مصالح الأسواق أو تسجيل نقاط سياسية.

الأسطوري جوشوا ليدربرج، عالم الوراثة والحائز على جائزة نوبل، قال ذات مرة إنه في الصراع ضد الأمراض الجديدة: «الأمر يتعلق بذكائنا في مقابل جيناتهم». وإذا كنا نريد أن ينتصر ذكاؤنا، فإننا سنحتاج إلى التفكير بشكل واضح، والاستعداد للأسوأ، وأن نكون الأفضل.