قراءة سياسية لـ3 كلمات: حكومة ذات مصداقية.. علي وجيه

كتب علي وجيه:

* قراءة سياسية لـ3 كلمات: حكومة ذات مصداقية. يقول بومبيو!
* الصيف بوصفه جلاّداً للفاعل الشيعي
*
العراق الأمريكي محترق لا محالة، بصواريخ الجارة وأصدقائها في الداخل. والعراق الإيراني منهدم بكل تأكيد، دون الحاجة لصواريخ، فيكفي الاختناق الاقتصادي ليُنهي “دكّان النفط” الذي نعيش فيه، ورفع اليد عنه بشكلٍ تام واعتباره “مشروعاً لم ينجح”.
هذه الحقيقة بدأت تتجلّى بعد أن صار عبد المهدي رئيساً للوزراء، حيث كان واضحاً أنه خيار إيرانيّ مرحّب به أكثر من اللازم، وبعد محاولة هشّة منه لعدم التدخل بالصراع الإيراني – الأمريكي في إطار العقوبات الاقتصادية، وطلبه بأن ينأى عن هذه المعادلة، بدا الرجل الكهل الضعيف مستسلماً للأدوات الإيرانية من جهة وهي ترتكبُ الكبائر الدبلوماسيّة، وعاجزاً عن ردع الاعتداءات الأمريكية من جهةٍ أخرى.
الأمور انزلقت، وتمّ خرق قواعد الاشتباك عدّة مرّات، استهداف معسكرات الحشد الشعبي الرسميّة في القائم، ثمّ ما أعقبه من استهدافات للسفارة الأمريكية، ثم عمليّة المطار.
كلّ شيء آيل للانهيار، إيران ترتّب أوراقها، وواشنطن كذلك، ولا بُدّ من عودة لقواعد الاشتباك الكلاسيكية لهذين المحورين في العراق، هذه لك، وهذه لي، مع قليلٍ من الشو الإعلامي والشعاراتي لحفظ ماء الوجه.
لكن ترمب ليس أوباما الذي كان يفتتح نهاره بالملف العراقي، وغادر الرئاسة بشعر شبه أبيض، فالعراق عاد بعهد التاجر الشعبويّ في الاهتمام الأمريكي إلى درجات ثانوية، وسحقه اقتصادياً ضمن الأشياء المُفكَّر بها، في إطار الضغط على إيران، وإمكانية ذلك وتزدادُ مع زيادة الجرعة الإيرانية، وبدا واضحاً ذلك في التضييق الاقتصادي الذي شمل عدّة زعامات عراقيّة مقرّبة من إيران، في إطار عقوبات الخزانة الأمريكية، الجهة الأشدّ قسوة في الجهاز الأمريكي تجاه الخصوم في العراق.
حتى اللحظة لم ينغلق الباب مع الولايات المتحدة، التي منحت العراق استثناءً باستيراد الطاقة من إيران حتى نهاية آيار، ومع اقتراب الصيف ومزاج الغضب الذي يتصاعد سنوياً مع تمّوز وآب في الجنوب العراقي، ومن خلال تصريح لمسؤول في الخارجية الأمريكية، يشير لبومبيو، بأنّ هذا الاستثناء “لإتاحة الوقت أمام حكومة ذات مصداقية”.
والمصداقية هنا، الحفاظ على خيط الصراط المستقيم بين المعسكرين، الإيراني والأمريكي، الخيط الذي لا يراه الشيعة بكتلهم، فيما يتعامل معه الكرد والسنة بعدم اكتراث أحياناً، وحيادٍ رماديّ أحايين أخرى.
لكن الزعامات المتناثرة هنا وهناك، لا ترى الوضع الحرج الذي ينزلق إليه العراق بمحاولة دفعه باتجاه معسكرٍ معيّن دون غيره، وحتى اللحظة تبدو صراعات الحصص واضحة، رغم إشارات إيران الواضحة بضرورة التهدئة وتكليف الكاظمي والعمل على حكومة ترمّم ما تهدم نسبياً، أو بالأقل: توقفُ الانهيار، وتمنحها التنفّس الجزئيّ بعد أن فُتك باقتصادها وأمنها وصحّتها بسبب نكبة كورونا، لكن أصدقاء إيران هنا لا يمتلكون حكمتها أو توزيع الأدوار.
فيما يتصاغر دماغ المسؤول الشيعي ليفكّر بالوزارة الفلانية، والهيأة والدرجة الخاصة، تنظر الولايات المتحدة إلى العراق بوصفه “الابن العاق” الذي تناسى جهود تخليصه من صدّام، ولن يكون سحقه اقتصادياً معضلةً كبيرة، واستمراراً لتعبيد طريق ترمب لولاية ثانية، وتنظرُ إيران لأصدقائها في العراق وهم يقومون بجعل صورتها متضرّرة أكثر من أعدائها وخصومها.
دورة المال العراقي في السوق النفطية يمرّ بالحلقة الأمريكية، وإن كانت هناك حكومة غير “ذات مصداقية”، فالعقوبات أبسط ما يُمكن لإنهاء كلّ شيء، وجعل “الفوضى الخلاقة” بتعبير رايس سيئة الذكر، تعودُ إلى الواجهة، دون أن يخسروا جندياً واحداً.
الأمر لا يتعلقُ بالكاظمي بقدر ما يتعلق بفهم هذه الزعامات لحراجة اللحظة، تراجع راديكاليو الشيعة عن تصعيدهم لفهمهم المعادلة، وعلى رأسهم العصائبُ والكتائبُ، الصدر أيضاً تراجع عن ضغوطه المعروفة، لكن الأمر مقترن ببعض الكتل الأخرى، التي لا ترى أبعد من حصتها الحزبية، ولا تفهم أنّ هناك ما يُمكنه تحطيم العراق بشكلٍ تام، وأن فرض عقوبات اقتصادية على البنك المركزي العراقي، أو التي بي آي، سيُنهي الوضع من خلال تأجيج الشارع، الذي ستخبزه حرارة البيوت في تموز، ثم تُشلُّ رواتبه واقتصاده الريعيّ.
سيكون الصيف، المُعاقِبَ الأكبر لهذه الطبقة التي تمارسُ ضغوطها على حكومةٍ يجب أن تكون “ذات مصداقية”، والحرُّ سيُخرِج شباباً لم يحصلوا على نصرٍ رمزيّ وتحقيقٍ لذاتهم بعد 1 تشرين، وهذا الجدار المنفطر الكبير، إن لم يتم لصقه بشكلٍ ما، بـ”حكومة ذات مصداقية”، سيكون حرّ تموز وآب أصغر ما سنواجهه!
لو أنهم يفهمون ذلك، لكن الطفل لن يقتنع بأن النار مؤلمة، واللعب بالثقاب يؤذي، حتى يحترق اصبعه، وهذه المرة لن يحترق اصبع فيما لو استمر اللعب هذا، بل سيحترق البيت ومَن فيه.

 

اقرأ أيضًا:

حكومة ذات “مصداقية” أو بلاد بلا كهرباء أو عقوبات أميركية: ماذا سيختار العراق؟