كارثة نفطية أم سحابة صيف؟.. أنس الحجي

كتب: أنس الحجي

انخفضت أسعار خام غرب تكساس، وأصبحت سالبة، وانخفض السعر إلى أقل من  38 تحت الصفر دولار للبرميل. طبعاً، من الصعب على الناس أن تفهم معنى السعر السالب وأثاره، لأنه أمر نادر. لهذا، فإن ما حصل أمس الاثنين هو حدث تاريخي، ومستوى الانخفاض تاريخي، والسعر السالب كان تاريخياً أيضاً. وهو يعني أن المشتري يأخذ العقد مجاناً، وفوقه 38 دولاراً للبرميل من البائع!

أسعار النفط السالبة غير شائعة في هذه الصناعة، لكنها معروفة في أسعار الجملة في قطاعي الغاز الطبيعي والكهرباء. ولكن يجب توخي الحذر عند ذكر أسعار كهذه، لأن وجودها لا يعني بالضرورة وجود مشترين أصلاً. وقد ذكرت أعلاه عبارة “يأخذ العقد مجاناً” وليس “النفط مجاناً”، لأنها عقود ورقية وقد لا تعكس الوضع الحقيقي للمنتجين. غير أن سعر خام غرب تكساس هو سعر القياس، وبالتالي هناك أسعار أخرى في أميركا الشمالية مرتبطة به، لكن ذلك لا يعني إطلاقاً أنه يتم فعلاً بيع النفط بسعر سالب، بل يمتنع البائع عن البيع.

وانخفضت الأسعار بهذا الشكل المريع، لأن غالبية العقود المستقبلية هي عقود ورقية تستخدمها الشركات والمنتجين لأغراض مختلفة منها التحوط، ولكن يستخدمها المضاربون بشكل كبير للاستفادة من فروقات الأسعار. أما النسبة الصغيرة التي تستخدم العقود المستقبلية للشراء الفعلي، فإنها غالباً من أصحاب المصافي الذين يقومون باستلام النفط وتكريره أو تخزينه. هذه العقود شهرية، وتنتهي قيمتها غالباً في 20 من كل شهر ميلادي. عقد خام غرب تكساس لشهر مايو (أيار) ينتهي اليوم الثلاثاء، 21 أبريل (نيسان). ومع مرور أيام الشهر يقوم المضاربون وآخرون بتصفية حساباتهم عن طريق بيع العقود، إما لآخرين أو إجراء عمليات مالية مقابلة لعمليات الشراء، بحيث يتم “تصفير” العملية.

في نهاية الشهر، يبقى الراغبون في شراء النفط فعلياً، والذين يمثلون حوالى 2 في المئة فقط من عقود المضاربات. ما حصل أن الذي لم “يصفروا” عملياتهم في الوقت المناسب، لن يجدوا مشترين. وفي هذه الحالة، عليهم استلام شحنات النفط كما يقتضي العقد. وهنا تكمن المشكلة!

بعض تجار العقود الورقية ليس لديهم الاستعداد والإمكانات لاستلام هذه الشحنات، وبالتالي مستعدون لبيع هذه العقود بخسارة، حتى لو كان السعر سالباً، لأن خسارتهم في حالة استلام الشحنات ستكون أكبر. إذ ستنجز هذه العملية في مدينة كوشينغ في وسط ولاية أوكلاهوما، وهذا يتطلب أحد أمرين: وجود عقود تخزين مع الشركات المالكة للخزانات، أو وجود عقود مع خطوط الأنابيب لنقل النفط إلى مكان آخر، وتخزينه هناك، وهذا يتطلب عقود تخزين في الطرف الآخر.

المشكلة أن الخزانات بدأت تمتلئ، والشركات التي تمتلك خزانات فارغة أم تستأجرها، تريد المكان لنفطها هي، وبالتالي فإن التاجر الذي سيتورط في استلام الشحنات لن يجد مكاناً لتخزين نفطه، أو حتى شحنه بالأنابيب، إلا إذا دفع مبالغ عالية جداً لإغراء الشركات بالتخلي عن السعة التخزينية المتاحة، لهذا فإنه يفضل أن يدفع مالاً للآخرين للتخلص من العقد.

أما المصافي والآخرون الذين كانوا يرغبون أصلاً في استلام الشحنات، ودائماً يستلمونها كما جرت العادة، فقد وقعوا في مأزق لم يعهدوه: الخزانات مليئة، والأنابيب مليئة، والطلب على المنتجات النفطية منخفض بشكل كبير، فليس هناك أي حافز لأخذ النفط، وبالتالي عليهم التخلص من هذه العقود. هنا، أكرر أن وجود أسعار سالبة لا يعني بالضرورة إتمام العقد، أو وجود مشترين، وهذا يفسر الانحدار السريع في الأسعار حتى عندما أصبحت سالبة.

أزمة الأسعار السالبة تنتهي غداً الأربعاء عندما يتم إغلاق عقد مايو، وبعدها يبدأ عقد يونيو (حزيران). والأخير يتداول فوق 20 دولاراً (21.44 دولار عند كتابة هذا المقال)، وهذا يعني أنه، مثلاً، لو تم إغلاق عقد مايو عند 15 دولاراً تحت الصفر اليوم، فإن أسعار النفط صباح الأربعاء سترتفع 35 دولاراً للبرميل.

وعند الحديث عن أسعار النفط حالياً، فإن الأسعار السالبة ليست المشكلة الوحيدة، بل هناك الفرق الكبير بين أسعار مايو ويونيو، والفرق الكبير بين أسعار خام غرب تكساس وبرنت. (لمعرفة الفرق بينهما ابحث عن #مفاهيم_نفطية في تويتر).

الفرق الهائل بين أسعار مايو ويونيو يعود إلى الانخفاض الكبير في الطلب على المنتجات النفطية في الولايات المتحدة الناتج من الحظر المفروض على المدن الكبيرة بسبب فيروس كورونا. من ناحية أخرى، فإن تخفيض الإنتاج الذي تبنته دول أوبك+ وغيرها وملء الاحتياطي الاستراتيجي في بعض الدول لن تظهر أثاره إلا في يونيو ويوليو (تموز). كما يتوقع انحسار كورونا نسبياً، وانفتاح الاقتصاد جزئياً في ما بعد. كل هذه الأمور تجعل الأسعار مستقبلاً أعلى من الحالية. لكن المشكلة أن هذا الفرق السعري الكبير أسهم في تأجيج أزمة المخزون، حيث قامت بيوت التجارة العالمية وغيرها بتخزين النفط مبكراً للاستفادة من الفروقات السعرية. وهذا يعني أيضاً أن أي ارتفاع في الأسعار في يونيو أو يوليو سيصاحبه التخلص من هذا المخزون، فيضع سقفاً لأسعار النفط.

أما بالنسبة إلى الفروقات السعرية الكبيرة بين خام غرب تكساس وبرنت، فإن السبب هو أن الأول محلي ويعكس السوق الأميركية، بينما برنت يعكس اتجاه غالبية السوق العالمية. وانخفاض الطلب في الولايات المتحدة يعني ارتفاع مستويات المخزون، خصوصاً في منطقة كوشينغ في أوكلاهوما، التي تعتبر مركز تفرع الأنابيب إلى الأسواق المختلفة، وفيها خزانات بطاقة استيعابية كبيرة. ويتوقع امتلاء هذه الخزانات خلال أسبوعين، وخام غرب تكساس يسعر في كوشينغ، لهذا فإن امتلاء الخزانات فيها ينعكس مباشرة على سعر خام غرب تكساس. ولأن خام غرب تكساس إقليمي أو محلي، فإن أثر تخفيض دول أوبك+ للإنتاج ينعكس مباشرة في برنت، ولا يؤثر كثيراً في غرب تكساس.

خلاصة الأمر أن ما حصل كان تاريخياً بكل المقاييس، ويعكس عمليات مضاربة لها ارتباط غير مباشر بوضع السوق. والأهم من هذا كله، أن ما حصل سينتهي غداً ولا يتوقع تكراره في المستقبل القريب.

*اقتصادي متخصص في مجال الطاقة