كورونا لن يوقف عجلة العولمة لكنه سيغير وجهها إلى الأبد.. هاميش ماكراي

كتب: هاميش ماكراي

تنطلقُ مصانع السيارات في ألمانيا من جديد، وتعيد شركات بناء المساكن في بريطانيا فتح مواقعها، وتكتشف مصارف نيويورك كيف توازن بين الفرق العاملة من المنازل وتلك العاملة في المكاتب حتى يعود القطاع المالي إلى العمل. لكن إذا بدأت أميركا وأوروبا في العودة تدريجياً إلى العمل، فستكون البيئة الدولية مختلفة تمام الاختلاف عن تلك التي سادت قبل الإغلاق (الحجر).

ويُعَد بعض العناصر واضحاً. فلسنتين أو ثلاث على الأقل، سينخفض عدد الرحلات الجوية الدولية عمّا كان عليه، سواء كانت الرحلات للترفيه أو العمل. وثمة مناقشة فرعية هنا حول احتمال أن نكون شهدنا “ذروة السفر الجوي”، أي احتمال أن لا يتعافى حجم الرحلات الجوية للأفراد أبداً. وإذا حصل فإنّ من شأن ذلك أن يقلب كثيراً من افتراضاتنا حول وضع الاقتصاد العالمي في الأعوام الـ30 المقبلة.

ومن الواضح أيضاً أن البيع بالتجزئة عبر الإنترنت سيستمر في الاقتطاع من حصة المتاجر المادية (غير الرقمية)، مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب بعيدة الأجل بالنسبة إلى الأسواق المادية في بريطانيا والولايات المتحدة، وإلى استخدام الأراضي في شكل أعم.

وسيكون قطاع الخدمات والضيافة أصغر حجماً. لقد وُجِدت المطاعم والفنادق، على نحو أو آخر، على مدى آلاف السنوات، ولا تزال آثار الاستراحات في إيران وأماكن أخرى على طول طريق الحرير إلى الصين ماثلة أمام العيان، لذلك هي لن تختفي. لكن حجم القطاع قد يكون أصغر عدة سنوات.

وبطبيعة الحال، سيواصل من استطاعوا سبيلاً منا العمل أكثر من المنزل وأقل من المكتب، على الرغم من ظهور محدودية عقد المؤتمرات عن طريق الفيديو في الأسابيع القليلة الماضية. فقد تُنفَّذ بعض المهام بكفاءة عن بُعد، لكن الأمر نفسه لا يصح على كثير منها.

كل هذا يمكننا رؤيته. لكن خلف كل هذا يكمن سؤالٌ كبيرٌ: هل انتهت العولمة؟ هل هذا العام، من الناحية الاقتصادية على الأقل، هو عام 1913؟

هذا هو السؤال الذي يطرحه الجميع، لكنه أكبر من أن تتوفر له أي إجابة مرضية. لذلك، إليكم خمسة من عناصر الإجابة بعد تقسيم الأخيرة إلى أجزاء صغيرة.

يتمثل العنصر الأول في أننا نعلم أن سلاسل الإمداد العالمية ستصبح أبسط وأمتن. فأنتم لا تريدون أن تعتمدوا في شكل مبالغ فيه على أي مورد أو أي بلد. وحيثما أمكن، سيُعَاد الإنتاج إلى المواطن الأم للشركات. وتتلخص المسألة في مدى حدوث هذا الأمر، وليس في احتمال حدوثه من عدمه، ويستحيل توقع ذلك في الوقت الحالي.

وثانياً، نعلم أنّ السفر الدولي سيصبح محدوداً أكثر، وهذا سيصح بالتأكيد على الناس في العالم المتقدم. ويتعلق السؤال الآن بمستقبل السفر في آسيا، التي كانت المنطقة الأسرع نمواً في هذا المجال. ففي كوريا الجنوبية وكمبوديا وتايلاند واليابان، جاء 30 في المئة أو أكثر من جميع الزائرين من الصين. وإذا توقف الصينيون عن السفر، فسيكون لذلك أثر هائل.

ثالثاً، هل سيصبح التعليم العالي وطنياً بدلاً من أن يكون دولياً في شكل متزايد؟ من المؤكد أن العام المقبل سيشهد انقلاباً حاداً في الاتجاه لدى مزيد من الطلاب المسافرين إلى الخارج. وقد تفضّل بلدان كثيرة تعليم شبابها في الداخل إن أمكن. والآن ثمة مسوغ للإحجام عن إرسالهم إلى الخارج، فضلاً عن تراجع الأموال المتوفرة للقيام بذلك. وإذا صار التعليم العالي أقل عالمية، فمن شأن ذلك أن يحدد إيقاع العالم سنوات عديدة مقبلة.

رابعاً، ماذا عن التدفقات المالية؟ لقد أصبحت مفتوحة إلى حد كبير، وعموماً ثمة ترحيب متزايد بالاستثمار الأجنبي. فقد أسهم هذا التمويل في تغيير وجه كثير من الاقتصادات في العالم المتقدم، وتُعَد أيرلندا خير مثال على ذلك، فضلاً عن العالم الناشئ. لكن الآن يواجه استحواذ الصين على الشركات في الغرب الصد. وسواء كان الأمر منصفاً أم لا، من الصعب أن نرى هذه الضغوط تتراجع قريباً.

وخامساً وأخيراً، يطاول التغيير عالم الأفكار، الأفكار حول وجوه تنظيم المجتمعات نفسها، وحول حرية الفكر والتعبير، وحول تطوير تكنولوجيات جديدة، وما إلى ذلك. لقد انفتح العالم على نطاق واسع على مدى السنوات الـ30 الماضية، ولو أن الجيوب المغلقة لا تزال حتماً موجودة. وربما سيحدث العكس الآن عند كل المستويات. فقد نتوقف عند محاولة التعلم من بعضنا بعضاً، ونتوقف بالتأكيد عن السماح للآخرين بسرقة أفكارنا.

وسيكون هذا الأمر مخيفاً. فإحدى النقاط المضيئة في خضم الغيوم الحالية تتمثل في درجة معقولة من التعاون العالمي في مكافحة الفيروس. صحيح أن الأمر لا يخلو من نوبات من القومية سواء في أوروبا أو في بقية العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، لكن ذلك متوقع. بيد أننا عموماً نشهد هجوماً مشتركاً على عدو مشترك.

لكن، العولمة هشّة. فقبل ما يقرب من 20 عاماً علق الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان بحكمة قائلاً: “قيل إن الحجة المناوئة للعولمة أشبه بالمجادلة ضد قوانين الجاذبية”. واستُشهِد بهذا التعليق كثيراً، ومن المؤكد أنه كان صحيحاً في عام 2000. لكن أنان أشار أيضاً قبل بضعة أشهر إلى ما يلي: “إن العولمة حقيقة واقعة من حقائق الحياة. لكننا في اعتقادي أسأنا تقدير مدى هشاشتها”. والآن بات بوسعنا أن نرى أنه كان مصيباً في ذلك أيضاً.