كورونا والدين.. أحمد سعداوي

كتب احمد سعداوي:

كورونا والدين
.
يورد محمد عابد الجابري في أحد كتبه هذه الحوارية بين طالب في الأزهر وشيخه، وسأرويها من ذاكرتي لاني لا أتذكر في أي كتاب قرأتها:
ـ يا شيخ.. ألسنا خير أمة أخرجت للناس؟
ـ بلى..
ـ إذن لماذا تقدم هؤلاء الافرنجة وصنعوا هذه المصنوعات.. وبقينا نحن متخلفين.
.
صمت شيخه طويلاً، ثم طلب من تلميذه مهلة حتى الغد ليجيبه. وفي اليوم التالي عاد التلميذ لشيخه يسأله، ويبدو أن الشيخ بذل جهداً نفسياً كبيراً حتى يعثر على الجواب الصحيح، وهنا التفت الى تلميذه وقال له:
ـ إن الله سخّر لنا هؤلاء الافرنجة.. حتى يصنعوا لنا هذه المصنوعات، فنستخدمها ونحن مرتاحون.
.
في واقع الحال إن هذا الجواب الذي يبدو نكتة بالنسبة لنا اليوم، كان معقولاً ضمن السقف المعرفي لأواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، ولكنه لن يبقى هكذا مع بدايات ما سمّي ب”النهضة العربية” او الاسلامية. بالتثاقف مع الغرب، [وللمفارقة فإنه بدأ على يد رجال دين] ونقل الوسائل والسبل العقلانية في التفكير وتفسير الظواهر، والشيء المهم هو دخول العقلنة على التفكير الديني، وصارت المؤسسات الدينية تستبعد التفسير الاسطوري والخيالي شيئاً فشيئاً لصالح تفسيرات واقعية وعلمية، وتنحو الى المواءمة بين العقلانية التي صارت أمراً واقعاً وتصورات الدين الميتافيزيقة التي هي أساس وجوهر عمل هذه المؤسسات الدينية. رغم أن المؤسسة الدينية كانت تحتفظ بموقف دفاعي ابتداءً، ثم تتكيف مع التغيير الضاغط من قوّة خارجية، كما هو الحال مع حادثة طلب محمد علي باشا الكبير اعتماد شبكة الماء النقي في القاهرة، فقابله رجال دين بالاعتراض بأن هذا الماء لن يكون صالحاً للوضوء. ولكن محمد علي كان مصرّاً على مد شبكة المياه، فاستدعى رجال دين استنبطوا له فتوى استناداً الى الفقه الحنفي بأن هذا الماء طاهر ولا شائبة فيه، ومنها صارت التسمية أن هذا الماء على وفق الفتوى الحنفية، ثم تم اختزاله بالتدريج ليغدو ماء الحنفية. وصرنا نستخدم المفردة حتى اليوم بديلاً عن التعريب المثبّت لاحقاً “الصنبور”.
.
العقلانية والعلمية التي اخترقت التدين الرسمي والمؤسسي وتعايشت معه منذ قرابة القرنين، بسبب ضرورات الأمر الواقع، انتجت نوعاً من السلوك الواقعي المخالف للتصورات الدينية الشعبية.
ومنها أن للدين قوّة روحية وليست سحرية. الدين لا يخرج أرانب من القبّعات، وانما يقوّي إرادة الفرد ويمنحه صبراً ومجالدة أكثر، ومن ذلك ما يواجهه الفرد إزاء الازمات الكبرى التي تتجاوز قدراته الفردية أو الأوبئة والأمراض، كما هو حالنا اليوم مع فايروس كورونا.
.
إن الطمأنينة التي يمنحها الدين للمصاب بفايروس كورونا، والدعاء وقراءة القرآن، تقوّي عزيمته على مواجهة المرض، وتمنحه طاقة روحية ايجابية للتصرّف بشكل أفضل. هذه حدود الدين “العلاجية”، والتي تفهمها المؤسسات الدينية اليوم، لذلك توجّه وتفتي بغلق أماكن الاختلاط الديني، كما هو الحال مع الحرم المكي أو المراقد الدينية المقدسة في العراق.
أما التدين الشعبي فهو يؤمن بالقوة السحرية، ولا يريد أن يصدّق أن الأرانب لا تخرج من القبّعات. وهنا تأتي خطورة استثمار الاعتقادات الشعبية سياسياً، أو في المناكفات والصراعات على السلطة والزعامة داخل الدائرة الدينية، فهذه مغامرة خطيرة بأرواح الناس.
في الدين نفسه العشرات من النصوص التي تتعارض مع مجازفات العقل الشعبي، وحتى في الاحاديث النبوية والاقوال المنسوبة الى الأئمة، العشرات من الشواهد التي تعزز أخذ الأمور بأسبابها، واعتماد العقل وهبة المعرفة التي خصّ الله بها الانسان دون غيره من الكائنات وغير ذلك.
فالله الله بارواح الناس.. وكفوا عن اللعب باعتقاداتهم الشعبية، كفّوا عن استثمار بساطة وسذاجة الناس وثقتهم الكبيرة بكل من يتحدّث بالدين ويلتفّع برداء الدين.