كيفية التعامل مع القوارب الإيرانية السريعة.. جيمس ستافريديس

كتب: جيمس ستافريديس

أطلق الرئيس دونالد ترمب، رسالة تحذير موجه إلى إيران بنشره «تغريدة»، قال فيها إن أي «تحرش» آخر ببوارج حربية أميركية من جانب الأسطول الإيراني في الخليج، سيسفر عن تدمير الوحدات الإيرانية. الواضح أن التغريدة جاءت رداً على فيديوهات أظهرت سفناً إيرانية تتصرف على نحو مسيء. وترمي التغريدة إلى وقف مقاتلات السطح الصغيرة الإيرانية ـ المزود بعضها بصواريخ أو مدافع قصيرة المدى ـ من الحركة السريعة على مقربة من السفن الأميركية، الأمر الذي يضعها في نطاق خطير.

وعندما سُئلت وزارة الدفاع بخصوص ما اعتبره الكثيرون قواعد جديدة للاشتباك أقرها ترمب، أجابت ببساطة أن القيادات من الضباط يملكون بالفعل جميع الأدوات اللازمة للاستجابة على نحو ملائم لإيران. بمعنى آخر: شكراً، سيدي الرئيس، لكن هذه النقطة تولينا تغطيتها بالفعل. والتساؤل الآن، كيف ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها التفكير في تلك الحلقة الأخيرة من الحملة التي تشنها طهران لزعزعة استقرار المنطقة؟

في الواقع، أحظى بقدر كبير من الخبرة في هذا الأمر. فيما مضى، خلال صيف عام 1987 الطويل الحار، كنت ضابطاً بالبحرية أحمل رتبة متوسطة، وأخدم كضابط عمليات على متن «فالي فورغ»؛ سفينة حربية جديدة تماماً مزودة بمنظومة صواريخ «إيجيس» الموجهة، التي جرى نشرها بمنطقة الخليج. في الوقت ذلك، كان ما يعرف بـ«حرب الناقلات» – حملة من الهجمات الإيرانية ضد السفن الناقلة للنفط الخام ـ على أشدها، وكانت مهمتنا الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً. وتولينا مرافقة ناقلات نفط كويتية اضطرت إلى إعادة تغيير سجلاتها البحرية والأعلام التي تحملها، حتى الولايات المتحدة.

في الوقت ذلك، كان التهديد الإيراني كبيراً بسبب امتلاك الإيرانيين صواريخ كروز «ستيكس»، ومقاتلات بحرية صغيرة مزودة بصواريخ سطح ـ سطح، وبعض الطائرات المقاتلة والمزودة بقدرات جو ـ سطح، وغواصات تعمل بالديزل. لم تكن حالة حرب تماماً، لكن الوضع كان متواتراً بما يكفي لأن نقضي وقتاً طويلاً داخل محطات المعارك المعروفة باسم «الأروقة العامة» داخل الأسطول.

باعتباري رئيساً للعمليات، كنت مسؤولاً عن تدريب الجنود على قواعد الاشتباك ـ أي التوجيهات شديدة التفصيل والسرية التي تحدد متى، وفي ظل أي ظروف، سيكون من المناسب استخدام القوة الفتاكة. جدير بالذكر أن السفن المزودة بـ«إيجيس» مسلحة بقوة بصواريخ «كروز» هجومية، ومدافع وصواريخ مضادة للطائرات، وبنادق «غاتلينغ» شديدة السرعة تحمل اسم «فلكان فالانكس» تطلق طلقات من «اليورانيوم» المستنفد ضد أهداف جوية وبرية، علاوة على رشاشات عيار 50، والعديد من القدرات الحربية الإلكترونية المتنوعة.

كانت المسألة الأهم أمام الجنود ليست كيفية إيجاد السلاح المناسب لاستخدامه حال التعرض لهجوم، وإنما معرفة متى (ومتى لا) يستخدمون كامل قوة النيران التي يمتلكونها. واعتاد قائدنا الذي كان ضابط بحرية وفنياً حكيماً ترقى لاحقاً حتى رتبة أدميرال، إخبارنا أنه: «تذكروا أنه في اللحظة التي تطلقون فيها ذخيرة واحدة، يتغير كل شيء». وكان يقصد بذلك أنه حتى حدث تكتيكي يبدو صغيراً داخل مسرح عمليات يقع على بعد آلاف الأميال من واشنطن، يمكن أن يترك تداعيات جيوسياسية كبرى.

في الواقع، يتسم الأساس الذي يقوم عليه قرار فتح النار ضد عدو بالبساطة، فهذا القرار يقوم على: إما ملاحظة «نية عدائية» (أي أن يطلق شخص النار عليك)، أو إشارة واضحة على «نية عدائية» (أي أن تقرر أن شخصاً ما على وشك فتح النار عليك). في مثل هذه الحالات، من غير المحتمل أن يكون الرد بفتح النار قراراً مثيراً للجدل، لكن إطلاق الطلقة الأولى باتجاه عدو ما، لأنك تعتقد أن الشخص الآخر على وشك فتح النار يمكن أن يتطلب إجراء تحليل معقد في غضون دقائق معدودة أو أقل.

ويمكن أن تتضمن الإشارات على وجود نية عدائية أن يتسلط على المرء ضوء رادار السيطرة على النيران الخاص بالخصم، أو ملاحظة وجود أسلحة موجهة نحوك، أو اعتراض اتصال عبر الراديو أو صور الاتصالات عن بعد الأخرى تشير إلى أن ثمة هجوماً وشيكاً، أو وجود نمط عام من السلوك العدواني، أو ملاحظة طائرات مقاتلة تحمل أسلحة تتحرك في شكل هجومي، أو الاستماع إلى أبواب «توربيدو» تفتح أسفل الماء عبر جهاز استماع «سونار».

خلال عملية الانتشار تلك أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أصدرنا الأوامر بتنفيذ هجوم، مرة واحدة فقط، وذلك عندما لاحظنا ما بدا أنه نية عدائية واضحة: طائرة إيرانية مقاتلة بدت في وضع هجومي تتحرك نحو حاملة طائرات كنا نتولى حراستها. وجاءت الإجراءات التي اتخذناها فاعلة في القضاء على التهديد، وفي وقت لاحق جرى اعتبارها مناسبة.

إلا أنه في الكثير والكثير من المواقف، اقتربنا من الإقدام على عمل هجومي ـ من جديد بناءً على مؤشرات متنوعة لما ربما كان يشكل نية عدائية. كانت مهمة مكثفة وخطيرة، وكنا سعداء بإنجاز مهمتنا والعودة إلى الوطن.

وبعد بضعة شهور من مغادرتنا المنطقة، تعرضت سفينة «إيجيس» أخرى تحمل اسم «فنسين» لموقف كانت فيه أقل حظاً منا، فقد تحرك الطاقم بناءً على ما اعتبره نية عدائية ملحوظة ضد ما ظنوا أنه طائرة إيرانية طراز «إف ـ 14» مسلحة بصواريخ جو ـ سطح. إلا أنهم أسقطوا عن طريق الخطأ طائرة ركاب، ما أسفر عن مقتل 290 مدنياً كانوا في طريقهم من طهران إلى دبي. وكان ذلك واحداً من أكثر أخطاء الأسطول الأميركي مأساوية على الإطلاق.

اليوم، أتفهم تماماً قصد ترمب من تحذير الحكومة الإيرانية، لكن ينبغي لنا جميعاً تذكر أن جميع هؤلاء الضباط والبحارة الشباب نسبياً في هذا الربيع الحار من عام 2020، يقفون بالفعل على أهبة الاستعداد للاستجابة لأدنى حدث مفاجئ. وقد شاهدوا إيران تهاجم الناقلات وحقول النفط بصواريخ، وتحتجز ناقلات نفط وأطقم العمل بها كرهائن، وتطلق صواريخ باليستية ضد قواعد أميركية في العراق، ورد الولايات المتحدة من ناحيتها عبر سبل متنوعة، منها قتل القائد الإيراني قاسم سليماني باستخدام طائرة «درون».

الحقيقة أن البحارة الأميركيين مدربون على نحو جيد، ولن ـ ولا ينبغي لهم ـ الاستجابة لأي «تحرشات» (والتي يمكن أن تتنوع ما بين مناورات بحرية رديئة، إلى توجيه إساءات مهينة عبر إشارات الراديو)، إلا إذا شكلت تهديداً واضحاً ومبرراً ومؤكداً بوجود نية عدائية. وبالتأكيد نحن لا نرغب في وقوع مزيد من الأخطاء أو الحسابات الخاطئة في ظل بيئة مشحونة بالفعل.

الفكرة الأساسية تدور حول: سيدي الرئيس، دع وزارة الدفاع والأسطول يضطلعان بعملهما على الخطوط الأمامية.