كيف اختفى الارشيف العراقي؟.. رياض محمد

كتب رياض محمد:

في اعقاب الغزو الامريكي للعراق في عام 2003 عثرت القوات الامريكية على ما يزيد عن 120 مليون صفحة من الوثائق العائدة للحكومة العراقية. وتم شحن هذه الوثائق في 48 الف صندوق الى الولايات المتحدة حيث تم مسحها رقميا للحفاظ عليها وقراءتها وترجمتها ودراستها واستخلاص الاستنتاجات منها.
ودار جدل واسع داخل الحكومة الامريكية والكونغرس حول نشر هذه الوثائق واتاحتها للجمهور.
وبدأت بعض هذه الوثائق بالتسرب فظهر عدد منها في موقع سيبركاست نيوز سيرفس المحافظ كما سربت مجموعة من تسجيلات اجتماعات صدام في مؤتمر استخباري دولي.
وضغط رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الامريكي بيت هوكسترا على مدير الاستخبارات الوطنية جون نيغروبونتي لاتاحة الارشيف العراقي على الانترنت.
وقاوم نيغروبونتي الضغوط حتى امره الرئيس بوش الابن بالبدء باتاحتها وهكذا كان وعلى دفعات.
وثم وعلى حين غرة سحبت الوثائق من الانترنت لاسباب امنية في شهر تشرين الثاني من عام 2006.
و كان سبب سحب الوثائق من الانترنت اعتراضات الوكالة الدولية للطاقة الذرية على نشر هذه الوثائق. حيث كان بعضا منها يتعلق بالرنامج العراقي لتصنيع القنبلة الذرية قبل عام 1991.
ورغم اعتراض المنظمة الدولية فان الحكومة الامريكية لم تسحب الارشيف العراقي من التداول الا عشية تحقيق صحفي في صحيفة النيويورك تايمز عن 12 وثيقة من وثائق البرنامج النووي العراقي المتاحة على الانترنت.
احتوت الوثائق على جداول واشكال توضيحية ومعادلات وتفاصيل مطولة عن بناء القنبلة الذرية. وقد قال خبراء نوويين ان هذه الوثائق توفر معلومات غير متوفرة على الانترنت وانها يمكن ان تستخدم من قبل ايران. ومن بين ما احتوته تفاصيل بناء دائرة الاطلاق الذرية واطلاق التفجير بالاضافة الى النواة المشعة للقنبلة الذرية.
احتوت الوثائق العراقية ايضا على قصص مثيرة كثيرة كان من بينها 11 صفحة من مخاطبات المخابرات العراقية بخصوص ابو مصعب الزرقاوي عام 2002.
حيث وجهت المخابرات دوائرها بالبحث عنه ومعاونيه الذي دخلوا العراق بجوازات مزورة كما عممت صورا له. وقد اجابت دوائر المخابرات العراقية المختلفة بانها لم تعثر عليه او على معاونيه.
كما كان هناك وثائق عن اجتماع بين مسؤول عراقي مع اسامه بن لادن في السودان عام 1995 حيث عرض بن لادن على العراق التعاون لمهاجمة السعودية في العمق السعودي. ويبدو ان صدام قرر تجاهل المقترح.
وكان هناك وثيقة لاجتماع بين صدام وكبار معاونيه في عام 2002 يبلغهم رسميا ان العراق لا يملك اسلحة دمار شامل.
وفي وثيقة طريفة اخرى يبدو ان العراق ناقش فكرة ارسال جمال مفخخة للتعرض للقوات الامريكية المتقدمة!
وفي نهاية الامر انتهى المطاف بالارشيف العراقي ان يظل حبيس الدوائر الرسمية الامريكية. فلم يتم اتاحته مرة ثانية للجمهور (الا مجموعات مختارة) كما لم يسمح الوضع المزري للحكومات العراقية بطلب استعادته.
وهكذا وبسبب عدم توفر الامكانيات اللغوية او الكادر المتفرغ فقد ظل الارشيف العراقي غير مترجم الى الانكليزية في مجملة باستثناء اجزاء بسيطة منه اعتبرت مهمة.
واصبح الارشيف العراقي مثالا اخر للفجوة الثقافية بين العراق والولايات المتحدة. فلا امريكا استفادت منه واتاحته باي لغة (العربية الاصلية او الترجمة الانكليزية) ولا اطلع الشعب العراقي عليه.
وساهم ذلك في نهاية الامر في ادامة سوء الفهم الامريكي للعراق واستمرار جهل العراقيين بتاريخ بلدهم.
اضع هنا رابطا لوثائق مخاطبات المخابرات العراقية بخصوص الزرقاوي.