كيف ستكون الموجة الثانية لـ”كورونا”؟.. ماكس نيسين

كتب: ماكس نيسين

بدأ العالم في التخفيف من القيود المفروضة للحد من انتشار فيروس «كورونا» المستجد، بعد أن أدرك زعماء العالم وحكام الولايات والمسؤولون في المدن أنه لم يعد أمامهم خيار سوى معاودة النشاط الاقتصادي، قبل وقت طويل من توافر لقاح أو علاج فعال للمرض، ما يعني أن موجة ثانية من الوباء باتت شبه مؤكدة.

لكن غير المؤكد هو إلى أي مدى سيكون الارتفاع في أعداد الحالات مدمراً في المستقبل. فإذا كانت الحالات متفرقة، وبقيت تحت السيطرة، فستبقى معدلات الوفيات منخفضة، وقد تعود الحياة إلى طبيعتها. وإذا كانت الأعداد كبيرة، فقد تحتاج البلدان والمناطق المتضررة إلى العودة مجدداً إلى وضع الإغلاق، ما يفاقم من الضرر الاقتصادي للوباء.

ولسوء الحظ، هناك كثير من العوامل التي تحدد الأمور التي ستكون خارج نطاق سيطرة أي شخص. لكن هذا لا يعني أن الدول ستكون عاجزة تماماً عن تحديد مصيرها، فسوف تكون للمناطق التي ستفتح أبوابها تدريجياً برامج واسعة النطاق للاختبار، وتتبع المخالطة، لاكتشاف الفيروس ومعرفة درجة تفشي المرض. لكن الطبيعة ستلعب دوراً مهماً أيضاً، ولا يمكن التنبؤ به، بدءاً من الطقس.

قد يتعامل فيروس «كوفيد – 19» المسبب للمرض مثلما تتعامل الفيروسات التاجية الشائعة التي تسبب كثيراً من التهابات الجهاز التنفسي الخفيفة. فهي تنتشر بسهولة أكبر في البيئات الأكثر برودة وجفافاً، وتجد صعوبة في إصابة الناس عندما يكون الطقس دافئاً ورطباً.. (تجمع الناس معاً في أماكن مغلقة لتفادي الطقس البارد عامل مساعد لانتشار الفيروس). في أميركا الشمالية، عادة ما تصل هذه الفيروسات إلى ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) وتهبط إلى أدنى مستوى خلال الفترة ما بين فبراير (شباط) إلى مايو (أيار).

لم يحدد علماء الطب بعد مدى تطابق الاتجاهات الموسمية مع «كورونا». لكن أي انخفاض في الطقس الدافئ هذا العام من المرجح أن يأتي في وقت متأخر، ولن يبلغ درجة ارتفاع كبيرة. الأهم من أي شيء هو أن المرض لم يظهر في أجزاء كبيرة من العالم حتى أواخر الشتاء. ففي حين أن هناك بعض الأدلة على أن فيروس «كورونا» لا يتأثر بالحرارة، فإن معظم حالات نقل العدوى تحدث في الأماكن المغلقة. فقد تفشى المرض في الدول الأكثر دفئاً (تايلند وسنغافورة مثلاً)، وخباثة فيروس «كورونا» الشديدة تشير إلى أنه من غير المحتمل أن يتلاشى في الصيف المقبل.

ومع ذلك، قد يقلل تقلب المواسم من حجم أي انتعاش للفيروس بعد الإغلاق، وقد يكون أي تفشٍ جديد في النصف الشمالي من الكرة الأرضية هذا الصيف بوتيرة أقل، ما يساعد على كسب وقت ثمين لإحراز تقدم في الاختبار وتطوير العلاجات واللقاحات وتعزيز النظم الصحية. من ناحية أخرى، قد يعني هذا أيضاً أن الفيروس سيبدأ في الانتشار بسرعة أكبر في نصف الكرة الجنوبي، وأن موجات التفشي اللاحقة في الخريف والشتاء ستكون حادة، خاصة في الأماكن التي يهمل فيها الناس اتخاذ الاحتياطات المناسبة.

نظرياً، قد يتلاشى فيروس «كورونا» كما تلاشى غيره من الفيروسات، حال اكتسب السكان مناعة، وتلاشت قدرة الفيروس على العدوى. ففي الوقت الذي طبّقت فيه غالبية بلدان العالم التباعد الاجتماعي، أو أغلقت على نفسها بقوة، اكتفت السويد بفرض قيود معتدلة، بهدف الحد من الأثر الاقتصادي للوباء. غير أن السباق نحو «مناعة القطيع» ليس هدفاً واضحاً لهذه السياسة، وفقاً لكبير علماء السويد، ولكنه خطوة مفيدة يمكن تحقيقها في استوكهولم في غضون أسابيع.

المشكلة في هذه الاستراتيجية، غير التكلفة البشرية العالية المحتملة، هي أن العلماء لا يعرفون سوى القليل عن المناعة المكتسبة لفيروس «كورونا». فعادةً ما تؤدي الإصابة بفيروس إلى بعض الحماية في المستقبل؛ حيث يتذكر نظام المناعة في الجسم الفيروس، ومن ثم يستعد بأجسام مضادة للمعركة التالية. ومع ذلك، تختلف مدة وقوة هذه المناعة حسب المرض وشدة إصابة الشخص، وغيرها من العوامل. فقد وردت تقارير عن أشخاص أصيبوا بفيروس «كورونا» مرتين، وإن كان ذلك يعكس أخطاء في الاختبار. لكن من المعروف أن مقاومة فيروس «كورونا» الموسمية تتلاشى في غضون عام. ففي حين استمرت الأجسام المضادة لفيروس «سارس»، قريب الشبه بفيروس «كورونا»، لمدة أطول، فقد مات «سارس» قبل أن تتاح للباحثين معرفة ما إذا كان بإمكانهم معرفة طرق منع انتشار العدوى على نطاق واسع.

ولذلك، فهناك حاجة لإجراء دراسات تمتد لأشهر على أفراد ذوي أجسام مضادة موجبة للفيروس لمعرفة مزيد عن طرق اكتساب مناعة لفيروس «كورونا». هكذا، تنال السويد فرصتها.

لكن ليس من الواضح أنها ستكون فكرة جيدة لأي دولة أن تصدر «جوازات مناعة» للأشخاص ذوي نتائج الأجسام المضادة الإيجابية لفيروس «كورونا». إذا اتضح أن اكتساب المناعة يحدث بسهولة، وأنها طويلة الأمد، فينبغي أن تنخفض معدلات الإصابة بمرور الوقت. وإذا كانت عابرة وغير موثوقة، فقد يواجه العالم حالات تفشٍ كل سنة أو سنتين لسنوات مقبلة. وتقترح أحد نماذج ديناميكيات انتقال فيروس «كورونا» المستقبلية أن حجم التفشي سيختلف بشكل كبير اعتماداً على موسمية الفيروس ومدة مناعة الناس.

وللمضي قدماً، يجب أن تستفيد البلدان من الخبرة، وبعد اجتياز المنحنى، سيكون هناك مزيد من الوقت للتحضير. ومع ذلك، فعندما يعود الطقس البارد في الخريف، قد يواجه العالم تحدياً جديداً مع العودة المتزامنة للفيروس والإنفلونزا، ما يتسبب في ارتباك في المستشفيات، ويمثل اختباراً لسعة كل منها.

وفي هذا الإطار، أشار روبرت ريدفيلد، مدير المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية، إلى أن تفشي فيروس «كورونا» في الشتاء يمكن أن يكون أكثر إزعاجاً حتى لو كان أقل مما نشهده الآن.

وستكون المهمة أسهل حال حصل مزيد من سكان العالم على لقاح الإنفلونزا، وهو ما يحصل عليه نصف البالغين في أميركا الشمالية في المتوسط.

يمكن أن تغير الاكتشافات العلمية أيضاً مسار فيروس «كورونا» ليؤدي اكتشاف العلاج الفعال إلى تقليل المعاناة والضغط على أنظمة الرعاية الصحية بشكل كبير. ففي الأربعاء الماضي، تواترت أخبار مفادها أن شركة «رمديفير إنك» التابعة لشركة «جلعاد ساينس إنك» نجحت في علاج بعض المرضى الذين دخلوا المستشفى، في تجربة خضعت للمراقبة، وهو ما قوبل بفرحة غامرة، رغم أن هذا لم يكن التغيير المطلوب في قواعد اللعبة.

بحلول الخريف، يجب أن تكون لدى العلماء بيانات عن الأجسام المضادة المزروعة في المختبر، والتي يمكن أن تمنع المرض أو تعالجه. ومع ذلك، فإن العلاجات واللقاحات الموجودة حالياً تستهدف فيروس «كورونا» المنتشر حالياً، لكن أي تحور كبير في الفيروس يمكن أن يقوض التقدم.

في مواجهة المجهول، ليس أمام البلدان والشركات خيار سوى إعادة فتح الباب بحذر شديد.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»