كيف سيطرت اليابان على كورونا من دون إغلاق أو فحوصات؟

يس عراق: متابعة

أثارت اليابان دهشة العالم بعد نجاحها في السيطرة على فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، ونجاحها في إبقاء معدل الإصابات اليومية لأقل من 10 إصابات مؤخرًا، وذلك دون فرض إجراءات إغلاق، إذ ظلت المطاعم وصالونات تصفيف الشعر مفتوحة، كما لم تفرض قيودًا على حركة السكان، وليس لديها أيضًا مراكز للسيطرة على الأمراض والوقاية منها.

وفي حين دعت منظمة الصحة العالمية العديد من الدول لإجراء الاختبارات، فإن اليابان لم تقم سوى بإجراء الاختبار لأقل من 0.2% من سكانها، ورغم أن هذا الرقم من أقل المعدلات بين الدول المتقدمة، إلا أن اليابان تمكنت من تسطيح المنحنى، مما أثار العديد من التساؤلات حول كيفية قيام اليابان بذلك. وفي هذا السياق نستعرض في هذا التقرير الأسباب المحتملة التي نشرتها وسائل الإعلام لتفسير نجاح اليابان في السيطرة على وباء كورونا المستجد دون إغلاق أو فحوصات.

تعقب المخالطين

أرجع الخبراء السبب الرئيسي في نجاح اليابان في السيطرة على كورونا، إلى الاستجابة المبكرة للحكومة اليابانية بعد ظهور أول إصابة لرجل من الصين في يناير الماضي، فقد ساهم اتخاذ إجراء تعقب المخالطين للمصابين بشكل سريع ومبكر في السيطرة إلى حد كبير على الوباء.

–  كانت مراكز الصحة العامة قد وظفت في عام 2018 بالفعل أكثر من 50 ألف ممرضة لتعقب الأمراض. في الأوقات العادية قبل انتشار فيروس كورونا، كانت مهمة الممرضات تعقب أمراض مثل الإنفلونزا والسل، وساهمت الخبرة الكبيرة التي تتمتع بها الممرضات في سرعة تعقب المخالطين للمصابين بفيروس كورونا.

– وصف كازوتو سوزوكي أستاذ السياسة العامة في جامعة هوكايدو نظام تعقب المخالطين الذي اتبعته اليابان بأنه نظام تناظري، فهو من وجهة نظره ليس نظامًا متطورًا يعتمد على التطبيقات مثل سنغافورة، لكنه كان مفيدًا للغاية.

– في الوقت الذي كانت فيه دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة قد بدأت في توظيف وتدريب أشخاص مختصين بتعقب المخالطين من أجل فتح الاقتصاد، كانت اليابان بالفعل تقوم بذلك منذ ظهور الإصابات الأولى بفيروس كورونا.

– ركز المختصون بعملية التعقب في اليابان على التجمعات أو المجموعات المصابة التي كانت تتواجد في مكان واحد مثل النوادي والمستشفيات، لاحتواء الحالات قبل تفشي الوباء وخروجه عن السيطرة.

– قال يوكو تسوكاموتو أستاذ مكافحة العدوى في جامعة هوكايدو إن العديد من الأشخاص يقولون إن اليابان لا تمتلك مراكز للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، إلا أن مراكز الصحة العامة هي نوع من مراكز السيطرة على الأمراض.

سفينة “دايموند برنسيس”

تعرضت اليابان لانتقادات شديدة بسبب تعاملها البطيء مع سفينة “دايموند برنسيس” في فبراير، والذي تسبب في مئات الإصابات. ورغم ذلك فإن هذا الأمر السلبي تحول إلى شيء إيجابي، حيث أمدت هذه التجربة الخبراء اليابانيين في وقت مبكر من الأزمة بمعلومات قيمة ومفيدة عن كيفية انتشار الفيروس، كما ساعدت على زيادة الوعي العام حول خطورته.

–  أشار ميكيهيتو تاناكا الأستاذ في جامعة واسيدا المتخصص في الاتصال العلمي، إلى أن بعض البلدان لا تزال تنظر إلى الفيروس باعتباره مشكلة تخص الآخرين، لكن في اليابان كان الأمر مختلفًا، فسرعة انتشار الفيروس في جميع أنحاء السفينة ساهم في زيادة الوعي وإدراك إمكانية حدوث الأمر نفسه في جميع أنحاء الدولة، وأضاف تاناكا: “بالنسبة لليابان، كان الأمر أشبه بسيارة تحترق خارج منزلك مباشرة”.

– يُنسب الفضل أيضًا في السيطرة على الوباء إلى الخبراء الذين ابتكروا رسالة يسهل فهمها لتجنب ما أطلقوا عليه “ثري سيز” أو “Three C’s”، وحرف الـ”سي” هنا اختصار لما يجب تجنبه، أي تجنب الأماكن المغلقة، والمزدحمة، وتجنب الاتصال الوثيق، بدلاً من اتباع سياسة التباعد الاجتماعي.

– على الرغم من انتقاد كثيرين لطريقة اليابان في التعامل مع الوضع، إلا أن كازوتو سوزوكي علق على الأمر قائلاً: “التباعد الاجتماعي قد يكون مفيدًا، إلا أنه لا يساعد على مواصلة الحياة الاجتماعية الطبيعية”، مؤكدًا أن الـ “ثري سيز” يعد نهجًا أكثر واقعية وفعالية، وله تأثير مماثل للتباعد الاجتماعي.

سلالة مختلفة

أشار خبراء الأمراض المعدية إلى أسباب أخرى قد تكون ساهمت في السيطرة على كورونا في اليابان، من بينها الوعي الصحي لدى الشعب الياباني. كما أشار الخبراء أيضًا إلى إمكانية انتشار سلالة مختلفة وأقل خطورة من فيروس كورونا في اليابان.

– قام باحثون في مختبر لوس ألاموس الوطني بالولايات المتحدة الأمريكية بدراسة متغيرات فيروس كورونا، ووجدوا أن هناك سلالة واحدة من الفيروس منتشرة في أوروبا، ولديها طفرات عديدة تختلف عن السلالة المنتشرة في آسيا، إلا أن هناك حاجة لإجراء دراسة أكثر شمولاً لكيفية تغير الفيروس.

من ناحية أخرى يظل الحاملون لفيروس كورونا الذين لا تظهر عليهم أعراض خطرًا حقيقيًا يهدد الإجراءات المتبعة للحد من تفشي فيروس كورونا، فقد أجرت إحدى مستشفيات طوكيو في شهر أبريل اختبارات على عدد من المرضى غير المصابين بفيروس كورونا، ووجدت أن نحو 7% مصابون به.

– كما كشفت نتائج اختبار للأجسام المضادة أُجري على 500 شخص في العاصمة اليابانية، أن أرقام الإصابات الحقيقية قد تكون أكثر بنحو 20 مرة مما أظهرت الأرقام.

سياسة شراء الوقت

نجحت اليابان في تجنب السيناريوهات السيئة الخاصة بتفشي فيروس كورونا، مثلما حدث في دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا، ورغم ذلك لم تتمكن من تفادي الركود الاقتصادي الذي شهدته البلاد في الأشهر الثلاثة الأولى من العام.

– يحذر الخبراء الاقتصاديون من انكماش مالي منتظر، خاصة بعد تراجع أعداد السياح بنسبة 99.9% في شهر أبريل بعد أن أغلقت اليابان حدودها. وتحاول اليابان التي تضم السكان الأكبر عمرًا بالعالم بها، وتخشى من حدوث موجة ثانية من الفيروس تطبيق سياسة شراء الوقت.

– وافقت اليابان بسرعة على استخدام دواء “ريمدسيفير” الذي تنتجه شركة “جيلياد ساينسيز”، كما أن هناك تحركًا سريعًا للموافقة على عقار “أفيجان” المضاد للفيروسات الذي تنتجه شركة “فوجي فيلم”، وتحاول اليابان الاستفادة من الوقت في دعم اختباراتها والتعلم بالطريقة التي تعلم بها جيرانها خلال انتشار فيروس سارس وميرس.

– قد بدأ المسؤولون اليابانيون في التحدث عن مرحلة تعايش الأشخاص مع الفيروس، ويشير الخبراء إلى إمكانية حدوث موجة ثانية أسوأ بكثير من الموجة الأولى، مؤكدين أهمية الاستعداد لها.

المصدر: التايم