كيف غيّـر وباء كورونا مبادئ الاقتصاد الدولي؟

يس عراق: متابعة

مع تعريض «كوفيد 19» اقتصادات العالم واحداً تلو الآخر لضربات قاصمة، فإن على خبراء الاقتصاد وأخصائييه ومعهم الأسس التحليلية لصنع القرار الحكيم وإدارة الأزمات متابعة ما يجري من تطورات لحظة بلحظة ومواكبتها، ومما يثير مزيداً من الشعور بالهلع «علم اقتصاد العدوى الفيروسية» والخوف و«تعطيل الأعمال جملة وتفصيلاً»، وكلما ارتقى الفكر الاقتصادي في مواجهة الحقائق المتغيرة، كلما ارتقى معه التحليل الاقتصادي للوصول إلى استجابة سياسية أكثر نضجاً.

ومن المفترض أن تكون هذه الاستجابة جديدة في شكلها وأدواتها باهظة التكاليف حتماً، وتتخذ الحكومات والبنوك المركزية إجراءات غير مسبوقة للتخفيف من حدة الانكماش العالمي، خشية أن يؤدي الركود الذي بات مؤكداً الآن، إلى كساد (وهو خطر تزداد احتمالاته بمعدلات لا تبعث على الارتياح)، وفي غمرة تحركاتها، من المحتمل أن نشهد تآكلًا مستمراً في الفوارق التي تميز بين مبادئ الاقتصاد المعتمدة في الاقتصادات المتقدمة، وتلك المطبقة في الاقتصادات الناشئة.

مثل هذا التغيير مطلوب بشدة، فمع وجود أدلة دامغة على الانخفاض الهائل في الاستهلاك والإنتاج عبر البلدان، يجب أن يأخذ المحللون في الاقتصادات المتقدمة في الحسبان، أولاً وقبل كل شيء، ظاهرة كانت مألوفة حتى الآن، فقط، في الدول والمجتمعات الهشة/الفاشلة التي دمرتها الكوارث الطبيعية؛ أي التوقف الاقتصادي المفاجئ، إضافة إلى سلسلة الدمار الذي ربما يلي ذلك التوقف، ثم يواجهون بعد ذلك تحديات أخرى مألوفة في البلدان النامية.

الاقتصاد الوبائي

لو أخذنا بعين الاعتبار طبيعة الاقتصاد الوبائي، فإن المستهلكين بغض النظر عن رغبتهم في الإنفاق غير قادرين على القيام بذلك؛ لأنه فرضت عليهم الإقامة في منازلهم، وبغض النظر عن رغبتها في البيع، لا يمكن للمتاجر الوصول إلى عملائها، ويتم فصل كثير منها عن سلاسل توريدها.

وتبقى الأولوية الفورية بالطبع للاستجابة المتعلقة بالصحة العامة، والتي تدعو إلى التباعد الاجتماعي، والعزلة الذاتية، وغيرها من التدابير التي لا تتوافق بشكل أساسي مع أنماط التوصيل في الاقتصادات الحديثة، ونتيجة لذلك حدث انكماش سريع للنشاط الاقتصادي، وبالتالي الرفاهية الاقتصادية.

مدة الركود القادم

أما في ما يتعلق بخطورة ومدة الركود القادم، فسيعتمد الجميع على نجاح استجابة السياسة الصحية، لا سيما الجهود المبذولة لتحديد واحتواء انتشار الفيروس، وعلاج المرضى، وتعزيز الحصانة، وأثناء انتظار التقدم على هذه الجبهات الثلاث، سيزداد الخوف وعدم اليقين، مترافقاً مع تداعيات سلبية على الاستقرار المالي وآفاق الانتعاش الاقتصادي.

وعندما يدفع الناس خارج أسلوب حياتهم المريح بطريقة مفاجئة وعنيفة، سيستسلم معظمهم لدرجات متباينة من الشلل أو رد الفعل المفرط أو كليهما معاً، ويفسح ميل كثيرين إلى الذعر، المجال لاضطرابات اقتصادية أعمق. وفي ظل قيود السيولة، تندفع قوى السوق للتخلص من الأوراق المالية، ليس فقط ببيع كل ما هو غير مرغوب فيه، ولكن كل ما يمكن بيعه عملياً.

عند هذه النقطة تصبح النتيجة المتوقعة هي ارتفاع مخاطر التصفية المالية بالجملة، والتي ستهدد عمل الأسواق في غياب التدخلات الذكية لسياسة الطوارئ. وفي حالة الأزمة الحالية، فإن مخاطر انتقال عدوى النظام المالي إلى الاقتصاد الحقيقي والتسبب في كساد، تصبح أكبر من أن يتم تجاهلها.

وهذا ينقلنا إلى الأولوية التحليلية الثالثة وهي علم اقتصاد «قواطع الدارات»، والسؤال هنا ليس فقط ما يمكن أن تحققه التدخلات السياسية الطارئة، ولكن أيضاً ما لا يمكنها الوصول إليه، وتوقيت ذلك العجز عن التدخل.

وبالنظر إلى أن المديونية الاقتصادية والمالية المتزامنة سيكون لها آثار كارثية على رفاهية المجتمع، فإن اللحظة الحالية تتطلب بوضوح التمسك بسياسة «مهما كلف الأمر»، و«الكل مسؤول» و«الدور الحكومي الشامل»، وتبقى الأولوية الفورية في إنشاء قواطع دارات يمكن أن تكبح موجات الانهيار الاقتصادية والمالية الخطرة. صحيح أن البنوك المركزية تقود هذه الجهود، ولكنها يجب أن تشمل أيضاً السلطات المالية وغيرها.

ولكن هذه المرحلة ستشهد مناقلات صعبة تفرضها التطورات. على سبيل المثال، تكتسب المقترحات المتعلقة بالتحويلات النقدية والإقراض بدون فوائد لحماية الشرائح الضعيفة من السكان، زخماً كبيراً، إضافة إلى دعوات دعم الشركات لتبقى واقفة على قدميها، وحماية القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية. وهذه دعوات محقة الهدف منها درء خطر الانتقال من مخاطر شح السيولة، إلى مخاطر الإعسار ثم الإفلاس.

ومع ذلك، سيواجه برنامج ضخ النقد والقروض تحديات تنفيذ فورية، بصرف النظر عن العواقب غير المقصودة والأضرار الجانبية التي تأتي مع جميع الإجراءات الشاملة، فإن إغراق النظام بأكمله في أزمة سيتطلب إنشاء قنوات توزيع جديدة، ومسألة كيفية إيصال النقد إلى مستحقيه المستهدفين ليست بهذه السهولة والوضوح كما قد تبدو.

هناك مزيد من الصعوبات عندما يتعلق الأمر بتنفيذ برامج الإنقاذ المباشر التي أصبحت مرجحة، فما تعرضت له شركات الطيران وخطوط الرحلات البحرية والقطاعات الأخرى المتأثرة بشدة، ليس سوى مؤشرات أولية على ما سيأتي لاحقاً. وسيكون خط الإنقاذ الحكومي طويلاً جداً، بدءاً من الشركات الصناعية متعددة الجنسيات إلى المطاعم العائلية والشركات الصغيرة الأخرى.

وفي غياب مبادئ منصوص عليها بوضوح في ما يتعلق بالسبب والكيفية والتوقيت وشروط تقديم المساعدة الحكومية، تتزايد فرص تسييس عمليات الإنقاذ، وسوء تصميمها، وتجييرها لأصحاب المصالح الخاصة. ومن شأن ذلك أن يقوض استراتيجيات الخروج لإعادة الشركات إلى وضعها الطبيعي، ويكرر أخطاء تجربة ما بعد عام 2008، عندما تم ضبط مسار الأزمة، ولكن دون إرساء الأسس المناسبة لنمو قوي ومستدام وشامل.

وبالنظر إلى مدى احتمالية أن تكون التدخلات الحكومية واسعة النطاق هذه المرة، فمن الأهمية بمكان أن يدرك صانعو السياسات أيضاً، حدود تدخلاتهم. ولن يؤدي أي خصم ضريبي، أو قرض بفائدة منخفضة، أو إعادة تمويل عقاري رخيصة، إلى إقناع الناس باستئناف النشاط الاقتصادي الطبيعي إذا كانوا لا يزالون يخشون على صحتهم. وإضافة إلى ذلك، طالما أن التركيز على الصحة العامة يستند إلى التباعد الاجتماعي كوسيلة لكبح حركة المجتمع، فلن تسمح الحكومات بخروج الناس على أي حال.

وتبقى كافة القضايا المثارة أعلاه موضع مزيد من البحث الاقتصادي، وفي متابعة طرق البحث هذه، سيجد العديد من الباحثين في الاقتصادات المتقدمة، أنفسهم حتماً في موقف يعارض منطلقات اقتصاد التطوير، بدءاً من إدارة الأزمات وإخفاقات السوق، إلى التغلب على تعديل الإجهاد ووضع أسس أفضل للنمو السليم والمستدام والشامل من الناحية الهيكلية، وبقدر اعتمادهم على رؤى مستمدة من كلا المعسكرين، سيكون الاقتصاد في وضع أفضل، فحتى وقت قريب، كانت مقاومة خبراء الاقتصاد لمحاولات القضاء على الفروق المصطنعة عنيدة وبلا هوادة، فكيف بالدعوة لتبني نهج متعدد المشارب.

هذه القيود ذاتية المنشأ لا تزال تفرض نفسها على الرغم من وجود أدلة كثيرة على أن الاقتصادات المتقدمة، وخاصة منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مثقلة بالعقبات الهيكلية والمؤسسية التي أعاقت نمو الاقتصادات النامية بطريقة طبيعية، وفي السنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، عمقت هذه المشاكل الانقسامات السياسية والمجتمعية، وقوضت الاستقرار المالي، وزادت من صعوبات مواجهة الأزمة غير المسبوقة التي تحاصرنا الآن.

كبير استشاريي أليانز