ماذا تعني المقاطعة الانتخابية؟.. فارس كمال نظمي

كتب فارس كمال نظمي:

 

للمقاطعة الانتخابية وجهان محتملان: إما وجه اغترابي اكتئابي عدمي يتخذ طابعاً فردياً مشتتاً دونما تنسيق أو هدف تأسيسي لما بعد المقاطعة؛ وإما وجه احتجاجي جماعي منظم يصنع من عدم التصويت تصويتاً غير مباشر ضد النظام السياسي، ويفتح أفقاً للضغط السلمي باتجاه التغيير.
.
ولذا فإن خيار المقاطعة الانتخابية المطروح حالياً في العراق، لا قيمة بناءة له دونما تأسيس ائتلاف سياسي واسع يضم قوى التغيير ليؤطر المقاطعة تنظيمياً ويحيلها إلى فعل احتجاجي مدروس. وعندها تكون المقاطعة نمطاً ديمقراطياً متقدماً من المشاركة السياسية التي لا تكتفي بالإحجام الفني عن الذهاب إلى الصناديق، بل تذهب بعيداً إلى استثمار طاقة الإحجام بتحويلها إلى سلوك إقدامي لتأسيس كتلة معارضة تمارس استثمارها السياسي في الغضب المجتمعي المتصاعد. وهو استثمار قد يحصد ثماره في انتخابات أخرى لاحقة.
.
وفي كل الأحوال، وبصرف النظر عن حدوث المقاطعة من عدمه، وبصرف النظر عن نوع المقاطعة -إذا حدثت-، فإن النتائج الرقمية المباشرة لهذه الانتخابات – إذا أقيمت في وقتها المحدد- لن تكون أكثر من إعادة توزيع الرصيد الانتخابي نفسه بين أقطاب الأوليغارشيا الفاسدة أنفسهم، بسبب قدرتهم المالية واللوجستية الاحترافية على إعادة التكيف مع المستجدات (الترشيح الفردي والقوائم المتعددة)، بأساليب الترغيب والتزوير، وممارسة الترهيب واختطاف الصندوق الانتخابي ببنادق الثورة المضادة، وفي ضوء عدم وجود أحزاب وتيارات سياسية بديلة تناظرهم في إمكانيات التعبئة والتسويق الانتخابي.
.
بعد حراكٍ ثوري لم يكتمل بل جرى ويجري تجاهله وتخوينه واغتياله كل يوم دون تحقيق للحد الأدنى من مطالبه، ومع إصرارٍ على إنكار حقوق آلاف الضحايا التشرينيين بالحد الأدنى من اجراءات العدالة الانتقالية، فالانتخابات القادمة تحديداً وليس أي انتخابات (بحدوث المقاطعة أو بدونها) لن تكون أكثر من قاطرة يستثمرها النظام السياسي للعبور إلى محطة “جديدة”، لإنعاش “شرعيته” المتآكلة، مسكوناً بوهمٍ تصفير أزماته المتناسلة.