ما الذي يريده الصدر؟.. حارث حسن

كتب الدكتور حارث حسن:
اعتقد ان ما نسميه بـ “التيار الصدري” هو حركة بهوية معقدة ومتعددة الأبعاد، هو من جهة تيار “وطني” مع ماتعنيه تلك الكلمة من معان متعددة يحددها السياق (الوطنية في العادة تُعِرف من خلال تحديد الآخر الذي يشكل خطراً عليها، وهذا الآخر قد يتغير مع تغير السياق والاستقطابات السياسية-الاجتماعية). ومن جهة اخرى، هو حركة شعبوية تعادي الطبقة الحاكمة وتطالب بالعدالة الاجتماعية. وهو أخيراً تيار اسلامي يلتقي في العديد من مواقفه مع المقولات المؤسسة للشيعية السياسية الحركية (ومن بينها معاداة الولايات المتحدة والغرب). وطوال السنوات الماضية، كان الصدر وتياره يعيدان اكتشاف وتعريف الهوية الصدرية باستمرار ، وبحسب سياق الصراع السياسي، ونادرا ماكانت الأبعاد المتعددة لتلك الهوية تتناقض مع بعضها، وان كانت الظروف تستدعي ابراز احدها أكثر من غيره.
اليوم تشهد الهوية الصدرية صراعاً داخلياً، وتجد صعوبة في الاحتفاظ بكل أبعادها في لحظة استقطاب حادة قد تجعل ابراز احد هذه الأبعاد سبببا في خسارة الأبعاد الاخرى.
لا يريد الصدر ان يضحي بقربه من الحركة الاحتجاجية، لأنه بذلك قد يضحي بجزء من قاعدته التي ترى ان معاداة النظام السياسي الفاسد والمطالبة بنظام أكثر عدالة يمثلان البعد الاساسي للهوية الصدرية. لكنه لايستطيع في الوقت نفسه التماهي تماما مع الحركة الاحتجاجية، ليس فقط لأن تياره السياسي سيخسر بعض امتيازاته، بل وايضاً لأن ذلك قد يقوده لاحقاً الى الدخول في مواجهة مباشرة مع المعسكر المدعوم من الحرس الثوري الايراني، وفي ظل هيمنة هذا المعسكر على صياغة مقولات “الشيعية السياسية”، بالشكل الذي سيؤدي الى التضحية بجزء من قاعدته التي تعتبر تلك المقولات عنصراً اساسياً في هويتها.
ما يريده الصدر ، وما يتصور انه يستطيعه، هو ان يحتفظ بتلك الهويات معاً، ان يكون زعيماً للاصلاح وللمقاومة بنفس الوقت، ان يواجه الطبقة السياسية الشيعية لكن يتمسك بخياراتها العقائدية والجيوسياسية في نفس الوقت، ان يدعو لبناء الدولة لكنه يستمر بتقاسمها كغنيمة مع غرمائه/شركائه.
ربما، ينجح الصدر في الاحتفاظ بكل هذه الهويات واقناع الآخرين بانه قادر على تمثلها جميعاً، وان مايراه البعض تناقضاً هو في الحقيقة فهم متسرع للمناورة السياسية…ولكن، ربما تقود “المناورة” الى دخول التيار الصدري بأزمة هوية صعبة، قد تنتهي به مستقبلاً الى الانشطار الى هوياته المتعددة تلك، وتغدو كلمة “صدري” عاجزة عن أن تعطينا معنى محدد…