متحدياً كورونا وقاطعاً 3 كم الى زبائنه… آخر باعة “صاحبة الجلالة” بذي قار : مشاهد عملي “تراثية” مقارنة بالتطور الحاصل!

يس عراق- بغداد

يقطع شوارع وأزقة مدينة الناصرية طولا وعرضا، ويمشي مسافات كبيرة للوصول إلى زبائنه من محبي قراءة الصحف والمجلات في المقاهي الشعبية والمحال التجارية ودوائر الدولة، وبرغم المشقة التي يلاقيها لازال “محمد ياسر” محافظا على مشهده اليومي، كأحد باعة الصحف المشائين، دون أن تمنعه الظروف والتظاهرات او اي احداث اخرى بضمنها وقيظ الصيف، وأخيرا مخاطر كورونا من التخلي عن مهنته البسيطة التي يستمر عليها منذ أكثر من عشرين عاما.

الشاب الثلاثيني الذي عرف بين أوساط الناصرية بـ”محمد ابو الجرايد” يتأبط في كل يوم صحفا ومجلات متنوعة عراقية وعربية، لازالت تجتذب جيلا من الكبار والشباب يهوى متابعة الأخبار على مذاق كوب شاي وسيجارة، ويتبادل مع جلسائه اهم الأحداث التي وردت فيها، جيل لم يكن يجد في السوشيال ميديا متعة.

يقول محمد ياسر ان عمله هذا هو مصدر عيشه الوحيد الذي يعيل به أفراد عائلته، ويضيف: ” انتظر منذ الصباح الباكر عند الوكيل المختص بالبيع، مترقبا قدوم سيارة نقل الصحف من بغداد، فإذ ما وصلت ننسق ونرزم الصحف، ثم اشرع في جولتي محتميا بقبعتي ونظارتي الشمسية من حرارة الشمس”.

ينطلق محمد ياسر عند الساعة العاشرة صباحا من ساحة الحبوبي حيث مقر وكيل الصحف، ليبدأ أولى محطاته مع من لديه اشتراك شهري كبعض أصحاب المحال التجارية و الدوائر الحكومية وبعض رواد المقاهي.

وحول رحلته المضنية يقول” أقطع يوميا أكثر من ثلاثة كيلو مترات سيرا على الاقدام متجولا في المؤسسات والمقاهي وبعض المراكز الاهلية”.

الساحة العراقية بعد (2003 ) كانت متعطشة إلى تنوع وانتشار الصحف الورقية .

وكشفت بعض التقارير عن اكثر من ( 300 ) صحيفة ورقية بين يومية وأسبوعية وأخرى شهرية، عدا ان البعض منها أغلقت لنقص في التمويل وأخرى صدرت في مناسبات معينة وتوقفت، ولكن لا زال بإمكان أي شخص أو مؤسسة اصدار صحفية .

وتصدر بعض الصحف العراقية الرئيسة بشكل يومي بينما يصدر قسم آخر بشكل اسبوعي والأخيرة لها جمهورها من محبي التقارير المطولة والقصص الصحفية والتحقيقات.

بائع الصحف الذي ألهبت ملامحه حرارة الشمس ورسمت على بشرته تجاعيد داكنة، يحمل شهادة بكالوريوس في اللغة العربية، إلا انه لم يتح له الحصول على وظيفة إلا في الآونة الأخيرة كمحاضر بالمجان في المدارس الحكومية، ما اضطره إلى عدم ترك عمله في بيع الصحف.

ويعد محمد ياسر هو البائع الجوال الوحيد المتبقي في محافظة ذي قار . ويقول موضحا ” في بداية عملي كان هناك أكثر من(15) بائعا جوالا، غير ان ظروف الحياة وقلة المردود من بيع الصحف بعد انتشار الموبايلات والقنوات الفضائية، دفعهم لامتهان اعمالا اخرى إضافة إلى حصول البعض على وظيفة حكومية”.

وهو يعتمد في الاغلب على الاشتراكات الشهرية للقراء، إذ يتولى ايصال الجرائد يوميا ويستلم اتعابه شهريا، إضافة إلى من يرغب بشرائها يوميا.

ويقول حول طبيعة اهتمامات القراء: ” ان الاقبال الكبير يكون على الصحف الحكومية فالناس تقتنيها اكثر من الصحف الاخرى لمتابعة القرارات والأخبار الحكومية، اما بقية الصحف فبعضها تصدر عن جهات سياسية او مؤسسات تجارية”.

وأثرت جائحة كورونا على مردود محمد ياسر بشكل سلبي . يقول حول انعكاس ذلك ” تسببت الاجراءات الحكومية المشددة من قبيل حظر التجوال بإغلاق دور الصحف وكذلك المطابع، وبالتالي لم يعد تداولها إلا يوما واحدا في الاسبوع وهو يوم الاربعاء فتوجه اغلب قرائها الى المواقع الالكترونية”.

وفي حين اخذت الصحف والمجلات في اغلب بلدان العالم منحى اخر من خلال تداولها الكترونيا لسرعة وصولها وقلة تكاليف انجازها، غير ان العراق ما زال يعتمد على الصحف الرسمية وشبه الرسمية بشكلها الورقي الى جانب مواقعها الالكترونية.

تراجع مكسب محمد ياسر بشكل ملحوظ ليبين: ” لكن ذلك لا يبدل قناعتي عن كون الصحف والمجلات تبقى تحمل جاذبية ومستوى ثقافيا وفكريا، كما أنني أتعامل مع اشخاص مثقفين ومعروفين باهتماماتهم الفكرية، وهذا ما يزيد من معلوماتي ويجدد أفكاري يوميا”.

يبدو القلق على بائع الصحف من استمرار مظاهر العزل والحظر الحكومي للوقاية من كورونا، ويقول وهو يرزم الصحف ان هذا المشهد قد يتحول يوما ما الى مشهد تراثي وسط التطور التكنولوجي.

ويتوقع ان ينحسر تداول الصحف بشكل كبير خصوصا وان اغلب الناس تمتلك صفحات في مواقع التواصل الاجتماعي، فالبقاء في المنازل غيرت امزجتهم واهتماماتهم، وربما يقتصر تداول الصحف على الدوائر الحكومية التي تعتمد قوانينها على ترويج اعلاناتها في الصحف الورقية حصرا.