متى يكون القضاء خصما..؟

مقالات: يس عراق

بقلم باسم خزعل خشان

القضاء مستقل ولا سلطان عليه لغير القانون، هذا ما نصت عليه المادة (١٩/أولا) من الدستور، وهذا يعني ان القاضي يخضع للقانون، فإذا تعمد مخالفته فإنه يتحمل تبعات تلك المخالفة ابتداء من العقوبة الانضباطية الى الإحالة الى المحاكم المختصة اذا كانت المخالفة تشكل جنحة او جناية.

للقاضي بطبيعة الحال ان يقدر، وأن يستخدم سلطته التقديرية في المسائل التي يجيز له القانون ذلك، فإذا تجاوزها فلمجلس القضاء والاشراف القضائي ان يقدر مقدار التجاوز فيحدد العقوبة المناسبة… وليس للقاضي ان يحتج بسلطته التقديرية في المسائل التي لا تخضع للتقدير…

لك، على سبيل المثال، ان تقدر وزن كمية الحنطة، لكن عدد اكياس الحنطة مسألة حسابية لا تخضع للتقدير، ولذا يكون القرار المخالف للإدلة الثابتة ثبوتا قطعيا غير خاضع للتقدير، ولا يحتج بالتقدير لتبرير الخطأ فيه، وهذه مسألة محسومة نظريا لدى الجميع لكن الفجوة بين النظرية والتطبيق هائلة، وسأعطيكم أمثلة صريحة على الخلط بين التقدير والحساب:

قرار محكمة التمييز الاتحادية الصادر في ٢٠١٥/٢/١٠ ينص على إن صرف مبلغ من المال لعلاج احمد منفي في الهند يخالف قانون تنفيذ الموازنة الاتحادية وإن فيه هدر للمال العام، وتقرير ديوان الرقابة المالية ومخاطبته الموجهة الى محكمة تحقيق السماوة تؤكد وقوع التجاوز وتؤكد امتناع مجلس المحافظة عن المطالبة بالاموال المصروفة خلافا للإستحقاق والقانون، واعتراف المجلس بالصرف والامتناع عن المطالبة واقرار المستفيد من المبالغ باستلامها يشكل سلسلة من الوقائع التي تؤكد وقوع الجريمة التي اشار اليها قرار محكمة التمييز الاتحادية، وهذه الادلة لا تكفي للإحالة فقط بل تكفي للإدانة ولإسترداد الاموال المتجاوز عليها…

المسألة في هذه الحالة مسألة حسابية لا تخضع لتقدير القاضي، فكيف مر هذا التجاوز، وكيف مرت مخالفة قاضي التحقيق لقرار محكمة التمييز….

المسألة خرجت من التقدير الى الالتفاف على قرار محكمة التمييز الاتحادية بقرار آخر ، القرار رقم (١٤٥٩٩) الذي يتعلق بمتهم آخر (ياسر غازي) الذي اغلق الشكوى بحق المتهم المذكور لأنه عضو مجلس محافظة وتصويته على قرار صرف المبلغ يعد ممارسة لوظيفته ولا يشكل جريمة، واكد القرار ان الطعن في القرارات التي تخالف القوانين النافذة من صلاحيات المحافظ.

المادة (٢٥١/ب) تلزم المحكمة غلق الشكوى بحق اعضاء مجلس المحافظة فقط لأن اسباب النقض متصلة بهم، لكن المحكمة ملزمة بالاستمرار في التحقيق في جريمة هدر المال العام، وجريمة الامتناع عن استيفاء الاموال المتجاوز عليها، وجريمة الامتناع عن اعادتها، لكن المحكمة قررت الافراج عن الجميع خلافا لقراري محكمة التمييز وخلافا لقانون اصول المحاكمات الجزائية وخلافا للوقائع والادلة…

ما اتحدث عنه ثابت وكان موضوع شكاوى نظرتها هيأة الاشراف القضائي التي اغلقتها كلها لأنها لم تر في الامر مخالفة لأي قرار او نص قانوني، وهذا ما تخالفه الوقائع الثابتة…

انتهت المسائل كلها وتركت الاموال المتجاوز عليها وافرج عن الجميع وما تزال الاموال متجاوزا عليها وقد يضطر القضاء الى تحريك دعوى ضدي لأني ادافع عن الاموال العامة لأني لن اسكت وسأبقى اطالب بها وليس امام القضاء الا ان يحبس أحدا، وقد اكون الحلقة الاضعف فاسجن لأني ادافع عن حقوق واموال جرى التجاوز عليها!

لكن في هذه الحالة يكون القضاء خصما، وخصومته مستحقة من الشعب الذي جرى التجاوز على حقوقه على مرأى ومسمع من القضاء وتأييد ثابت ثبوتا قطعيا.