مقال : الدولة العميقة .. الموازية .. المعلنة !

الدولة العميقة .. الموازية .. المعلنة !

عامر ابراهيم – صحفي عراقي

الدولة العميقة , مصطلح يطلق للاشارة الى سلطة خفية تتحكم بمسار الحكم متى اقتضت الحاجة دون الاعلان عن نفسها بشكل صريح , لها حضور في مؤسسات ومفاصل الدولة المدنية والعسكرية و ألامنية والسياسية و حتى الإعلامية , هذا هو حال الحكم في العراق منذ ازاحة المالكي عن رئاسة الوزراء (٢٠١٤) وعدم امكانية بقاءه أمام الضغط الشعبي الهائل االمتولد عن الهزيمة المفاجئة أمام فلول داعش , تلك الدولة العميقة التي تتصل جذورها بإيران , يزداد ابتعادها عن السطح كلما زاد تأثير الحضور الامريكي على المشهد السياسي في العراق , وهكذا فقد تسبب إلابتعاد و التلاشي التدريجي للدور الامريكي (حقبة ترامب) في اقتراب سلطة الدولة العميقة من السطح و ظهر ذلك واضحا في اكثر من مناسبة , فكان التقاطع بين الدولة الخفية و الدولة الظاهرة في موضوع خزن أسلحة الحرس الثوري الايراني في مخازن الحشد في اكثر من مكان , ثم استهداف هذه المخازن بطائرات مسيرة مجهولة (إسرائيلية) وتصريحات (ابو مهدي المهندس)ازاءها عن ضرورة الرد اضافة الى تقارير تحدثت عن انطلاق مسيرات من معسكرات الحشد (جرف الصخر) لقصف أهداف في العمق السعودي وما تلى ذلك من تداعيات بقرار تشكيل قوة جوية للحشد , حتى بات واضحا للمراقب أن الدولة العميقة قررت أن تكون دولة موازية , قريبة من الواجهة الخالية من تأثير أمريكي أو غربي ملموس , خصوصا وان رأس الدولة المعلنة في العراق شخصية ضعيفة , يميل الى تبرير الحضور الايراني الطاغي بدلا من اعلان رفضه أو على الاقل امتعاضه منه .
تصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وايران عقب قصف الاخيرة لمنشآت ارامكو النفطية في السعودية , ومعها تصاعد استنفار الدولة الموازية وباتت مستفَزة ومستفِزة في آن معا و تجسد ذلك مؤخرا في قرارها أبعاد أحد أبطال الحرب مع داعش الفريق الركن (عبد الوهاب الساعدي) لأنها شعرت انه يشكل خطرا كبيرا نتيجة للشعبية الكبيرة التي يحظى بها بين العراقيين ولتواتر معلومات عن خطط للتظاهر على الحكومة لاسقاطها ( المقصود هو نية الصدريين الخروج بتظاهرات تمهيدا لعزل عبد المهدي ) , فكان قرار إبعاد (الساعدي) تحسبا من مخطط أمريكي (بإعتقاد المقربين من إيران) للقيام بإنقلاب عسكري يقوده الساعدي , تلك الخطوة الغبية أتت بنتائج عكسية على الشارع العراقي , اذ أنها أسهمت في شحنه وتعبئته خلال ايام بمشاعر الرفض والاستنكار للقرار ومن يقف خلفه , هنا مرة أخرى يخطأ رئيس الحكومة بتبنيه القرار و دفاعه عنه و يناقض نفسه ضمن تبريراته الواهية , فهو من جهة يعتبر القرار روتيني ضمن قرارات تدوير القيادات العسكرية , ومن جهة أخرى يبرره أنه جاء بسبب (ارتياد الساعدي للسفارات) , وهو تلميح يتماهى مع هواجس الدولة الموازية و ذراعها العسكري المتمثل بقادة الحشد.
لكن الدولة العميقة التي صارت موازية حتى نهاية شهر ايلول الماضي , أطلت برأسها في تظاهرات الاول من تشرين اول , معلنة عن نفسها السلطة ألاعلى في العراق بما يشبه أعلان إنقلاب كامل على مؤسسات الدولة وتحديدا مؤسسة رئاسة الوزراء و الوزارات ألأمنية , فباشرت بمواجهة التظاهرات على طريقتها دون الرجوع للقرار الرسمي , معتقدة أنها بذلك تتصدى للقيادة بمواجهة المتظاهرين العزل الا من الاعلام العراقية ,فكان العنف المفرط الذي فاجأ الجميع وأسهم في موجة تعاطف وتأييد واسع للمتظاهرين , بعد أن بدأت صور وافلام التظاهرة تتواتر عبر وسائل التواصل الالكترونية , فكان ان إزدادت اعداد المتظاهرين بزيادة العنف المستخدم في مواجهتها .
مايجري الان هو محاولات (عبد المهدي) تجميل الصورة وانصرافه لتطبيب الجروح متحاشيا التماس مع من أحدثها , مترنحا بين استغرابه واظهار صدمته و بين تبنيه لخيار القوة بمواجهة الشباب السلميين , تتنازعه رغبة الظهور بمظهر الحكيم الطيب و رغبة التشبث بالمنصب اطول فترة ممكنة .
و هكذا فأن الدولة التي اختارت التواري و دفع شخصية ضعيفة الى الواجهة للظهور بمظهر الحاكم , لم تتردد بإزاحته جانبا عند اشتداد الازمات , دون مراعاة لوجوده لانهما يدركان أن بقاءه مرهون ببقائها .

انتهى

اقرا ايضا في المدونة :

العراق ما بعد الأول من أكتوبر