مقال : رنا خالد – رسالة نصية

بس عراق :

رسالة نصية
د. رنا خالد

امي الغالية هذه رسالتي النصية الاخيرة. افتحي ابواب بيتنا المحطم واخرجي الى الشارع سوف تسمعينها بصوتي الذي تحول الى صدى يتردد في كل الساحات والشوارع في هذا الوطن.
خرجت فجر اليوم ولم اجرؤ ان اودعك او اودع اخوتي الصغار . خرجت ابحث عن كل شيء ضاع مني ومنكم منذ سنوات. ابحث عن بقايا ابي الذي انفجرت عبوة ناسفة قرب بسطيته فحولته الى اشلاء ونثرته كما نثرتنا سنوات العبوات الناسفة منذ ١٦ عام. انا انمو يتيما وفقيرا وضعيفاً منذ ١٦ عام وانا تجرح رجولتي وانا اراك وارى اخوتي الصغار يتلوون جوعاً وهما وانكسار.
تركت الدراسة بعد اضحت المدارس باردة الجدران مفرغة من الفائدة والنفع. تركت الدراسة عندما رأيت خالي الكبير الذي هو افضل المتعلمين في العائلة خريج كلية الهندسة، يعمل محاسباً في مقهى الحي بعد ان رفضت كل الوزارات في العراق ان تستقبل طلب تعيينه وكنت اذهب معه وهو يقف في طوابير طويلة من الاف الخريجين الجامعيين يقفون تحت الشمس الحارقة اوالمطر البارد ينتظرون يد باردة تقبل ان تمتد لهم لتأخذ شهاداتهم التي هي عصارة تضحيات اهلهم.
امي.. العمل في الشارع خلف بسطية ابي المرحوم علمتني ما لم تعلمه المدارس،علمتني ان هذا الوطن يتم قتله يومياً بالفقر والجوع والاهمال. تعلمت ان البسطاء المقهورين الساكتين عن حقوقهم هم من يمنحون السياسيين او من تسميهم ” الحرامية” ،قوتهم وبقاءهم. تعلمت ان هذا الوطن مسروق واننا معتقلون داخل اطلاله.
امي .. انتي تشبهين الوطن تشبهين العراق تمرضين لكن لا تستسلمين تحزنين لكن لا تنكسرين تتألمين لكن رأسك مرفوع. ولكن طول مرضك بات يؤلمني ويؤلم اخوتي الصغار . لماذا نحن نتألم والفاسدون يطول عمرهم ويتمددون ؟
لماذا نحن نطحن وهم يخبزون رمادنا ويتغذون عليه، لماذا نحن لنا الشوارع وهم لهم بروج مشيدة من بقايا ابي واعمامي واخوالي وجيراني واصدقائي والطيبين في كل مكان في هذا الوطن. لذلك يا امي سوف اخرج سوف اصرخ بهذا الصوت الذي لم يخرج مني يوم مات ابي ولم اجد بقاياه، سوف اصرخ بوجه الظلم الذي حولك وحول اخوتي الى بقايا بشر ، سوف ارفع ذلك العلم العراقي الذي نضعه في زاوية بيتنا الفارغ من كل ما يحفظ انسانيتنا والمليء بكل انواع الهموم والاحزان والآلام والذل الذي طال وصار اثقل من ان تتحمله رجولتي ورجولة اصدقائي الذين قصصهم لا تختلف عن قصتي، فهذا فقد اب وذاك فقد اخ وكلنا فقدنا وطن.

امي انهم يطلقون قنابل الغاز المسيل للدموع وهم نسوا اننا يومياً نبكي حالنا البائس،انهم يقولون اننا اطفال وهم نسوا اننا ولدنا كهولاً من شدة الظلم الذي اطعمونا، انهم يقولون اننا مخربون لاننا نرفع علم العراق الذي لا يعرفون ونقول وطن وهي كلمة تخرب خططهم وفسادهم ، انهم يقولون اننا عملاء مندسون ونحن ولدنا في زمنهم ولدنا يوم بعثوا من مزابل التاريخ واوكار الغرب والشرق الذي لملمهم ليحطموا وجه العراق الجميل.
امي الغاز السام الذي يطلقونه علينا صار عطر يوحدنا والرصاص الحي صار يقبل رؤوسنا ويقتلهم.
امي اذا جلبوني لك اشلاء لا تبكي فهذه ليس جسدي انه اوساخ الشوارع التي رموني فيها منذ طفولتي بعد ان سرقوني وسرقوك وسرقوا الجميع، انا لم اعد اشلاء انا اليوم جسد واحد جميل قوي عظيم.
امي لا تحزني انا لم اقتل في ساحة التحرير انما انا بعثت من الموت. امي انا وجدت في المطعم التركي كرامتي التي سحقها الفاسدون وجدت وطناً كان حلماً تحول الى حقيقة وطن فيه عدالة وحرية وكرامة. امي انا في الوطن الذي حلمت شوارعه ملونه ليس فيها صورة فاسد يريدنا ان ننتخبه من جديد وليس فيه صورة ممثل يرتدي عمامة و يبيعنا عقيدة هو نفسه لا يؤمن بها، بل وجدت شوارع يلونها شباب يشبهون اخي الصغير الفنان وشابات قويات اصيلات يشبهن اختي يضمدن جراحنا ويشددنا عزيمتنا ويرسمون معنا صورة وطن كل شيء فيه جميل. شوارع فيها عراقيين اعرفهم فهم جيراني واصدقائي واقربائي.
امي ابشرك اخلعي عنك السواد اخيراً وفي ساحة التحرير وجدت اشلاء ابي وقد رجعت لتلتحم من جديد لتكون صورة ابي في ملايين الوجوه الشابه التي تصيح بصوت واحد .. عراق.
امي رسالتي النصيه الاخيرة اوصيكِ بها ان لا تدفينيني في اي مقبرة فانا روح حرة تحيا بحرية تطارد كل فاسد كل مجرم كل قاتل كل من خرب الوطن ودنس كبريائه. امي انا لن ادفن انا سأضل اخرج كل صباح مع كل شمس تشرق في بلادي سأضل احيا مع اخوتي واصدقائي سوف نملأ الشوارع والساحات سوف لن نشيخ ولن نمرض سنضل شباب ثورة اسمها ..العراق.