ملاحظات حول دور المرجعية الدينية.. محمد غازي الأخرس

كتب محمد غازي الأخرس:

يفرق آرنست غيلنر بين نوعين من الثقافات، واحدة يسميها الثقافات البرية وهي أشبه بالحدائق الطبيعية التي تنبت لوحدها، وتشمل كل ما يتعلق بمخيال الجماعات الموروث، من فولكلور شعبي وتراث وطقوس وشعائر دينية والخ. أما النوع الثاني من الثقافات فهي الصناعية أو المصنّعة وهي تشبه الحدائق البيتية في المدن. هذه الثقافات ترتبط بالدولة الحديثة لجهة أنها هي التي تنشأها وتنميها وترعاها وتنظمها بوعي ومنهجية. في النوعين ثمّة دائرتان من الظواهر ودائرتان من العناصر السياقية، فالثقافات البرية ترتبط بالجماعات غير المتمدنة كسكان الأرياف والبوادي وتنظمها علاقات تحيل لمرحلة ما قبل الدولة، لهذا تسود فيها الزعامات الطبيعية وهي طبقة رجال الدين والزعامات العشائرية والعائلية. بالمقابل، ترتبط الثقافات المصنّعة بالمجتمعات الحديثة المتمدنة وترتبط بمنظومة علاقات معقدة تحيل لخارطة طبقية وفئوية، طبقة عاملة، طبقة برجوازية، فئة مثقفين، عسكر ، الخ، وهذه الخارطة انما هي نتاج لعصر الحداثة. أو أنها نتاج لعلاقات العمل وجدل هذه الطبقات الاجتماعية فيما بينها حيث يقود الامر بالضرورة إلى ولادة التكوينات النقابية والاتحادات والجمعيات، ثم الأحزاب السياسية التي هي أرقى تمثيل لمصالح الطبقات والفئات المتجادلة او المتصارعة على السلطة. المقصود هو الحزب السياسي الذي يسميه غرامشي (الأمير الحديث)، كمرادف لمفهوم (الأمير) الذي وضع له ميكافيللي نظرية سياسية كاملة. بالتالي، فإن الاحزاب والنقابات والاتحادات والجمعيات هي تكوينات ناتجة عن هذه المنظومة، وتنتمي الى الثقافة المصنعة التي ترتبط بالحياة المدنية.

توازيا مع هذا، يحيل زعماء الثقافات المصنعة لهذه الفكرة، وتتسم رمزيتهم بتعقيد يحاكي تعقيد الشروط التي تنتجهم. بمعنى أنهم يمثلون طبقات وفئات وشرائح اجتماعية تنتجها المدينة، ولهذا فإن مواليهم مدفوعين بمحرك ايديولوجي في حين أن موالي الزعماء الطبيعيين، رجال الدين وشيوخ العشائر، مدفوعين بمحرك وجداني ذي بعد تقديسي يقوم على الإيمان والولاء الفطري. في العراق مثلا، في مرحلة ما، في الخمسينات والستينات وحتى السبعينيات، كانت هناك سيادة مطلقة للزعماء المدنيين ممن يتسمون بهذه الخصائص، كانوا سياسيين ونقابيين ومثقفين. وحينذاك نافس مفهوم الحزب كل مفاهيم التمثيل البدائية بفعل تطور المجمتع وتغير نوع العلاقات بين جماعاته.

ما جرى أنه بعد عام ١٩٧٩، وانفراد صدام حسين بالسلطة، حدث أن تم تدمير هيكلية المجتمع المدني التي شرعت بالتهيكل في العراق منذ نهاية العشرينيات، لقد جرّف صدام كل شيء، دمر الحياة المدنية وانهى أوركسترا كاملة واستبدلها بعازف واحد يضرب على طبل بدائي، انتهت الأحزاب والنقابات وغاب المثقفون العضويون بشكل نهائي، وكان من الطبيعي بعدها أن تنتعش الثقافات البرية وتنهض القوى التي تحيل لما قبل مرحلة الدولة. لهذا لم يكن غريبا أن تتصاعد سلطة المرجعيات في النجف إبتداءً من التسعينات، سواء الناطقة منها أو المعتدلة، المؤمنة بولاية الفقيه أم المؤمنة بالولاية الخاصة. بموازاة ذلك، تصاعدت وتيرة الولاء الديني والطائفي في التسعينات ما أدى الى انتعاش الهويات الفرعية، وصولا الى لحظة انفجار كل هذا بعد ٢٠٠٣ .

وفقا لكل هذه البانوراما التاريخية، الاجتماعية والسياسية والثقافية، يمكن فهم ما تلعبه مرجعية السيستاني من دور خطير في توجيه الأحداث. إنها تملأ فراغا هائلا تسببت به استراتيجية نظام صدام التجريفية للمجتمع المدني. ويبدو من الطبيعي أن تمارس دور الزعامة المطلقة المحركة للجموع. لا سلطة للنقابي والسياسي والمثقف العضوي إلا في الهامش، ليس لضعف خطابهم بل لغياب الشروط الموضوعية لاستكمال دائرة الخطاب. الخلاصة: لا يوجد لدينا مجتمع مدني، هذا هو الواقع، ومن الصعوبة بمكان القفز عليه والتحليق في سماء مثالية.

لا مثالية في السياسة، علينا قراءة الخارطة الاجتماعية بشكل عملي والبناء عليها. وهذا ليس تبريرا للارتهان بمرجعية النجف بل دعوة لاستثمارها براغماتيا قدر الإمكان خصوصا انها لا تؤمن بولاية الفقيه ولا تسعى لإنشاء دولة دينية على غرار ما موجود بايران او السعودية.

فلنكن واقعيين إذن ولنعترف أننا في مرحلة يقودها الزعماء الطبيعيون. وعلينا انتظار سنوات طويلة لإعادة بناء المجتمع المدني.