ملخص عام وحقيقة الحزام والطريق والحرير والاتفاقية الصينية.. عماد عبد اللطيف

كتب الدكتور عماد عبد اللطيف سالم:
الحزام والطريق، والحرير، و “الإتّفاقيّة العراقيّة الصينيّة” (مُلَخّص عام)
أوّلاً : الإطار التاريخي- قام المالكي والعبادي والجعفري والمهدي(مع حفظ الألقاب) بزيارة الصين في الأعوام 2011، و2014، 2015، 2019.
– خلال زيارة السيد حيدر العبادي إلى الصين، قامت حكومته بالتوقيع على عدّة “مذكرّات تفاهم” في المجالات الدبلوماسية والعسكرية و في مجال الطاقة، أهمها كان “إعلان الشراكة الإستراتيجية بين العراق والصين”، وتوقيع “مذكرة تفاهم”بشأن “التشارك” في الدفع ببناء “الحزام الإقتصادي لطريق الحرير، وطريق الحرير البحري للقرن الواحد والعشرين”، وكان ذلك بتاريخ 23-12-2015.
– إنّ إنضمام العراق إلى “مبادرة الحزام والطريق” هو الذي فتح الباب أمام تنفيذ فكرة”النفط مقابل الإعمار”، من خلال الإتّفاق مع الصين على تحويل هذه الفكرة إلى واقع ملموس. وتمّ ذلك بالفعل من خلال توقيع اتفاق”إطار التعاون لضمان إئتمان الصادرات” Export Credit Insurance Cooperation Framework بتاريخ 11-5-2018 .. و”اتّفاق إطار التعاون” هذا هو ما يُطلَق عليه في الإعلام العراقي بـ “الإتّفاقية العراقية الصينية”.
– خلال زيارة السيد عادل عبد المهدي إلى الصين، تمّ التوقيع(في 23-9-2019)على عدد من”مذكّرات التفاهم”، وعلى”اتفاقيّة”واحدة فقط مع “وكالة التننمية الصينية”، هي”اتفاقيّة التعاون الإقتصادي والفنّي لتقديم المساعدة دون مقابل”. وتمّ التوقيع أيضاً على “الإتّفاق الحسابي”، و”الإتّفاق النفطي” اللذان لم يتمّ التوقيع عليهما في بغداد بداية عام 2019.. وهذان الإتّفاقان مُكمّلان لـ “اتّفاق إطار التعاون لضمان إئتمان الصادرات”، الخاص بـ “اتّفاق النفط مقابل الإعمار”، وهو الإتّفاق”الرئيس” الذي تمّ توقيعه من قبل حكومة السيد حيدر العبادي، والمُسمّى لدينا بـ “الإتّفاقية العراقية الصينيّة”.
– لم يدخل “اتفاق إطار التعاون لضمان إئتمان الصادرات” الموقّع في 11-5-2018 حيّز النفاد بوصفه غير مكتمل قانونياً، إلاّ بعد التوقيع على الإتّفاقين”الحسابي والمالي”المكمّلان لهُ في 23-9-2019.
ثانيّا: المضمون المالي لـ “اتّفاق إطار التعاون”إنّ “اتفاق إطار التعاون” يتضمن تفاصيل ماليّة دقيقة جداً(ليس من السهل الحصول أو الإطّلاع عليها لسريّتها.. وهذه واحدة من عيوب هذا الإتّفاق الذي لا يتسّم بالشفافية المطلوبة، ولو في حدّها الأدنى) .. ومع ذلك يمكن أن نتحدّث هنا عن بعض التفاصيل التي تم تداولها عبر التصريحات الشخصية للخبراء والمستشارين، أو من خلال “تسريبات” وسائل الإعلام، ومنها:
– إنّ المشاريع المُنفّذة بموجب هذا الإتّفاق تتمّ من خلال الشركات الصينية، وإنّ هذه الشركات هي المُوَرِّد الرئيس، وإنّ المشروع يجب أن يكون مُخصّص لقطاعات الطاقة(النفط والغاز)، أو البنية التحتيّة، أو التعليم، أو الرعاية الصحيّة، أو الكهرباء، وأن تُقام هذه المشاريع في المناطق التي تُعتبر”آمنة” في العراق، بعد الإتّفاق بين الحكومة العراقية والسفارة الصينية في بغداد.- ينصّ “اتفاق الإطار” على تصدير 100 ألف برميل نفط يومياً إلى الصين(بالأسعار العالمية)، وتودع عوائد التصدير(بالدولار) في حساب يسمّى settlement account (وكان الهدف من ذلك هو خصم تعويضات حرب الكويت منه من خلال البنك الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك)، ومن ثمّ يُنقَل صافي العوائد في نهاية المطاف إلى حساب يُسمّى “حساب الإستثمار” investment account. وفي حال بقاء الودائع في ذلك الحساب دون سحب، يتم دفع فائدة للعراق مقابل ذلك.
– استناداً لآلية التمويل(الإئتمان) هذه، تقوم الشركات الصينية(بناءً على رغبة الحكومة العراقية) بتنفيذ مشاريع بنية تحتية(أو استراتيجية) يختارها العراق، والشروع بتنفيذها على وفق المعايير والأسعار التنافسية العالمية.
– اذا كانت المشاريع المُتعاقَد عليها مع الشركات الصينية ستُموّل بعائدات النفط المُصدّر لوحده(من خلال تراكم عائدات تصدير 100 ألف برميل يومياً)، فلن تكون هناك حاجة للإقتراض من المصارف الصينية، وعند ذلك سيتم تنفيذ المشاريع بعقد مقاولة عادي. أمّا في حال الحاجة إلى تمويل إضافي، فإنّ “مؤسسة ضمان الصادرات” الحكومية الصينية Sinosure هي من سيقوم بضمان القروض المقدمة للعراق من المؤسسات المالية الصينية(أي بموجب اتفاقيات قرض لاحقة مع وزارة المالية بضمان Sinosure ذاتها).
– إنّ كلّ اتفاقية قرض ستكون بمعدّل لا يزيد عن 1.8 مليار دولار، وبسقف إجمالي لا يزيد عن 10 مليار دولار .. وأنّ جميع الحسابات الأربعة (الواردة في “اتّفاق الإطار”) ، ممسوكة من جانب البنك المركزي العراقي، ومفتوحة لدى بنك صيني ذي تصنيف إئتماني عال هو Sitic Bank .
ثالثاً : ملاحظات حول “آليات” تنفيذ الإتّفاق وأشتراطاته ومُحدّداته- إنّ “اتفاق إطار التعاون” بشكله الحالي هو أقرب إلى “العقد التجاري” منه إلى “الإتّفاقية الإطاريّة الشاملة “، أو “الإتّفاقية” ، أو “مذكرة التفاهم” .. فصيغة العنوان على غلاف “الإتّفاق” هي صيغة”عقد”: Contract No. FA-IRAQ -001.
– لم يتم تمرير “الإتفاق” وفق السياقات الدستورية، ولهذا أطلقت عليه حكومة السيد عادل عبد المهدي تسمية”اتفّاق إطار تعاون” لتتجنّب بذلك تعقيدات التوقيع والمصادقة والتنفيذ.- ينصّ هذا الإتفّاق على خضوعه(مع جميع الإلتزامات غير التعاقدية الناشئة عنه والمتعلّقة به) لقانون جمهورية الصين الشعبية. كما ينصّ على حلّ النزاع بصدده(بما في ذلك النزاع المتعلّق بوجود هذا الإتّفاق أو تحديد مدّة صلاحيته، أو إنهائه)، من خلال”لجنة التحكيم الإقتصادي والتجاري الصينية” في بكين، لتقرّرَ نوع التحكيم الذي يجب إجراؤه، وفقاً لقواعد تحكيم اللجنة السارية وقت تقديم طلب التحكيم.
– لا يُشير الإتّفاق إلى أي دور رقابي من جهات عراقية( ديوان الرقابة المالية الإتّحادي مثلاً) على كيفية اختيار المشاريع، ولا على تقييم أداء تنفيذها، ولا حتّى إسلوب إحالتها. علماً بانّ “اللجنة العليا للإستثمارات والإعمار” في العراق هي المسؤولة عن اختيار مشاريع البنية التحتية بموجب الإتّفاق.- وجود فقرة في الإتّفاق تُؤكّد على أنّ هذا الإتّفاق هو اتفاق “سرّي”، باستثناء المعلومات المطلوب الكشف عنها بموجب أي قوانين، أو لوائح، أو أحكام معمول بها، أو من قبل الوكالات الحكومية، أو هيئات الضرائب، أو السلطات الأخرى.
إنّ “سريّة” الإتّفاق، والتفاصيل التي تضمّنها، غير مُبرّرة على الإطلاق، وهي تعرقِل عملية تنفيذه في حال رغبة إحدى الهيئات التشريعية او الرقابيّة بالإطّلاع عليه، وبيان رأيها بصدده.
– ينصّ الإتفاق على أن تُقام مشاريع “إعادة الإعمار” في المناطق التي تُعتبر”آمنة” في العراق.
إنّ هذا يعني أنّ الشركات الصينية لن تعمل في مناطق العراق ومحافظاته كافّة، مما يُعيق إقامة المشاريع في المناطق(والمحافظات) التي هي بأمسّ الحاجة إليها، وبالذات تلك التي تعرّضت لدمار واسع نتيجة للعمليات الإرهابية.
رابعاً : مقترحات عامّة-
تعديل “اتفاق إطار التعاون” ليكون أكثر شمولية، ولا يقتصر على تصدير النفط الخام الى الصين مقابل تنفيذ مشروعات البنية التحتية الأساسية، بل ليكون اتفاقاً شاملاً لمجالات التعاون كافة(كتعزيز دور القطاع الصناعي في العراق، وتطوير الصناعات النفطية، وإقامة مناطق التجارة الحرّة..) وبالتالي ضمان مساهمة الصين الفاعلة في “تنويع” الإقتصاد العراقي.
– على “صانع القرار” العراقي أن يعمل من أجل إبرام”اتّفاقيّة إطاريّة شاملة” ، تُنظّم العلاقات العراقية الصينية، بدلاً عن”اتفاق إطار التعاون”الحاليّ، على أن يتم إعدادها من قبل جهات حكومية كفوءة ومتعددة الإختصاصات.. وأن تكون واضحة في نصوصها وأحكامها وتفاصيل تنفيذها كافة.. وأن تخضع للآليات الدستورية المعتمدة بهذا الصدد(التوقيع والتصويت والتصديق).- العمل على إبرام اتفاقيّة تعاون استراتيجي بين العراق والصين لتفعيل دور العراق ضمن “مبادرة الحزام والطريق”، وتحديد مجالات التعاون الممكنة من خلالها، وحساب عوائدها وتكاليفها وجدواها الإقتصادية بدقّة، وعلى وفق ماحدّدتهُ المادة الثالثة”آلية التعاون”من مذكرّة إنضمام العراق إلى “مبادرة الحزام والطريق” الموقّعة في عام 2015.- العمل الجاد والسريع لإنشاء “صندوق ثروة سيادي” يتمّ من خلاله تمويل مشاريع البنى التحتية في العراق.
ذلك أنّ “اتفاق إطار التعاون” الحالي يمثّل حلقة زائدة ومعقدّة لتمويل المشاريع، وقد أملتهُ في حينه ظروف شديدة العُسرة من الناحية المالية، وكانت جدواه تتلخّص في تمكين العراق من الحصول على قروض صينيّة لتمويل تنفيذ المشاريع، بضمانة استقطاع عوائد صادرات لـ 100 الف برميل يومياً، لم تكُن لتُكلّفَ العراق شيئاً في حينه، خاصّةً في ضوء حاجة الصين الملحّة للنفط الخام.
لقد كان ذلك جهدا نبيلاً ومُخلِصاً لمواجهة أزمة ماليّة خانقة، قام به خبراء ومستشارون و مسؤولون تنفيذيّون عراقيّون، لا تشوب وطنيتهم شائبة، وليس من الإنصافِ التشكيكَ بحرصهم على مصالح العراق السيادية العليا، ولا بـ “اجتهادهم” من أجل حماية هذه المصالح الوطنية، قبل أيّ أعتبارٍ آخر.
لقد آن الأوانُ لإعادة النظر بكلّ ذلك الآن.. وإبعاد هذا “الملفّ” عن المناكفات السياسية، والأباطيل “الشعبوية”، والتسقيط”الشخصي”الرخيص.