مناظرات الرئاسة الأميركية.. سليم سوزا

كتب: سليم سوزا

متعتي الأولى هي مشاهدة مناظرات المرشحين للرئاسة الأمريكية. يوم أمس الثلاثاء كانت واحدة من أهم المناظرات بين المرشحين الديمقراطيين السبعة للظفر بأصوات المواطنين في الانتخابات التمهيدية وحسم موضوعة الترشيح من قبل الحزب الديمقراطي لمواجهة الرئيس الحالي دونالد ترمپ في انتخابات الرئاسة القادمة في تشرين الثاني من هذا العام.

مع أنه من المبكر جداً التكهن بمن سيفوز بهذه الانتخابات التمهيدية ويواجه ترمپ في نهاية المطاف، إلّا إن المنافسة محصورة تقريبا بين المرشح العجوز بيرني ساندرز والمرشح جو بايدن، وبعدهما بدرجة أقل المرشح بيت بوتيگيگ والمرشحة اليزابيث وورن أيضاً.

حتى هذه اللحظة، تظهر استطلاعات الرأي ان ساندرز متقدم على الجميع، خصوصاً بعد حسمه ولايتي نيو هامشر ونيفادا وبفارق كبير عن بايدن وورن والملياردير بلومبرگ. يستعد ساندرز الآن لخوض أقوى منافسة في ما يعرف بالثلاثاء الأعظم Super Tuesday، وهو يوم الثالث من شهر آذار القادم، حيث ستقام انتخابات تمهيدية للمرشحين الديمقراطيين داخل ١٣ ولاية أمريكية، ومن يحسم اغلبيتها يكون قد قطع شوطاً كبيراً للوصول الى المرحلة النهائية. سنشهد انسحابات بعض المرشحين بعد هذا الثلاثاء وستنحصر في اثنين او ثلاثة كما في كل انتخابات تمهيدية في السابق، لان في هذا الثلاثاء فقط، يتعرف الجميع على حجومهم فيقرروا ان كان هناك جدوى من الاستمرار في السباق أم لا.

تلعب الاموال والسلطة والاعلام أدواراً مهمة في هذا التنافس الشرس، ولكن مقابل هذه المؤثرات الثلاث، ثمة قوى أخرى لا يستهان بها، وهي قوى الاقليات والمسلمين والمهمشين والملونين والفقراء البيض. أولئك الذين يجيد ساندرز لغتهم والتواصل معهم عبر مدير حملته الشاب الباكستاني المسلم فايز شاكر (تولد عام ١٩٧٩). جمع هذا المدير الناجح لحملة ساندرز ٢٥ مليون دولاراً حتى الان، وهو مبلغ ضخم مقارنةً بمبالغ المرشحين الآخرين (إلّا طبعاً الملياردير مايك بلومبرگ الذي خصص لحملته ٧٨ مليون دولاراً).

بعض اعضاء الحزب الديمقراطي يتوجسون من ساندرز من انه اشتراكي يساري تقدمي متشدد وسوف لن يكون بمقدوره كسب اصوات المستقلين والمترددين المعتدلين للفوز بالانتخابات الرئاسية امام ترمپ، فيما آخرون يرون ان الرهان على اقصى اليسار في مواجهة اقصى اليمين (المتمثل بترمپ القومي الشعبوي) لهو أفضل الحلول في الوقت الحاضر وأقربها لنيل أصوات الملايين من الامريكيين الناقمين على المؤسسة الامريكية بشكل عام. وساندرز هو الوحيد الذي استطاع توحيد الطبقات الاجتماعية المهمشة من خلال شعاره الابرز Healthcare for Everyone “الرعاية الصحية للجميع” من خلال محاولته لتأميم الصحة، وكذلك تركيزه على “التعليم للجميع” من خلال تأميم التعليم ومساعدة الطلاب على التخلص من قروضهم الدراسية المدمرة. بهذين الشعارين وبرؤيته الاقتصادية التي تقترب من النموذج الاسكندنافي (الوسطي بين الرأسمالية والاشتراكية)، يواجه ساندرز خصومه من أثرياء وول ستريت، ويواجهونه هم باتهامه ب “الشيوعية الراديكالية”، وأحياناً باتهامه بنكران يهوديته لصالح تعاطف وحماسة “فلسطينية” زائدة عن اللزوم.

في مناظرة أمس، وكما قال عدد من النقاد بعد انتهائها، انه تفوق بأجوبته الذكية والدقيقة على كل الحضور، وحظي بتصفيق حار من متابعيه الذين قالوا ان جميع من في المنصة من المرشحين، لم يكونوا يهتموا بأسئلة المذيعين والجمهور بقدر ما كانوا يهتمون بمهاجمة ساندرز واظهاره شخصاً خطرا على الديمقراطية الامريكية. توالت الاسئلة عليه كيف يكون يهودياً ويرفض نقل سفارة امريكا من تل أبيب الى القدس؟ تلكأ قليلاً في الاجابة على هذا السؤال (وكانت المرة الأولى التي يتلكأ فيها يوم أمس بصراحة)، ولكنه استعاد ثقته بنفسه فيما بعد واجاب بحدة “اننا لا نتحدث عن سفارة، بل عن ارض يعيش فيها الملايين من الفلسطينيين تحت امرة دكتاتور عنصري جلّاد اسمه بنيامين نتنياهو. نعم نقل السفارة خطأ وسيقوض عملية السلام في الشرق الأوسط”. كانت اجابة صادمة بحق لكنه على ما يبدو اختار طريقه من البداية في معارضة صفقات ترمپ-نتنياهو ولم يعد يهتم باثارة اليهود ضده.

الانتخابات الرئاسية في امريكا حزورة طويلة ومعقدة، لا يستطيع أحد التكهن بنتائجها لأنها خاضعة لمزاج شعبي عام قد ينقلب في لحظة، وأنها ابنة تناقضات اجتماعية حادة، من ينجح في ادارة هذه التناقضات ويصنع منها جسماً صلبا هو فقط من يفوز بالنهاية.

مازالت حظوظ ترمپ للفوز بولاية ثانية عالية، لكن مرشحاً مثل ساندرز لا يستهان به أبداً. وعلى العموم ستتضح شعبية ساندرز وحجمه في الثلاثاء الأعظم. لو فاز بالترشيح النهائي من قبل الحزب الديمقراطي، سيزيد من حدة الاستقطاب الاجتماعي ويضيف على الديناميات الاجتماعية مزيداً من الحيوية والحراك، اذ سيلتف حوله كل اليساريين والليبراليين والتقدميين ومعهم الطلاب والفقراء في مواجهة الترمپية القومانية الصاعدة، التي هي الأخرى لديها محركاتها الاجتماعية ودوافعها ومبررات وجودها. من يدري، ربما ينجح ساندرز مثلما نجحت ديمقراطية اشتراكية مثلية الجنس في الوصول الى الكونغرس عن ولاية جمهورية بيضاء ومحافظة لم يفز فيها ديمقراطي منذ ٥٠ عاماً. اتحدث عن ولاية أريزونا الأمريكية وعن المرشحة كريستن سينما، التي فازت بمقعد الكونغرس قبل عامين.