مناعة القطيع وكسر سلسلة العدوى.. أكمل عبد الحكيم

كتب: د.أكمل عبد الحكيم

تُعرّف المناعة على أنها حالة من التوازن داخل الكائنات الحية، تمنحها منظومة من الدفاعات البيولوجية أو الحيوية، تمكنها من مكافحة العدوى، وغيرها من محاولات غزو الميكروبات غير المرغوب فيها، وبشرط تجنب فرط الاستجابة أو رد الفعل المبالغ فيه، والذي قد تنتج عنه أمراض الحساسية وأمراض المناعة الذاتية.

وتُصنف المناعة عدة تصنيفات، مثل المناعة المحددة وغير المحددة، والمناعة الفطرية والمكتسبة، والمناعة الفردية والمجتمعية. بما في ذلك ما يعرف بمناعة القطيع (Herd Immunity)، والتي تشير إلى نوع من الحماية غير المباشرة للفرد الواحد ضد مرض معدٍ ما، نتيجة تمتع نسبة كبيرة من أفراد المجتمع بالمناعة ضد هذا المرض. بمعنى أنه إذا كانت الغالبية العظمى من أفراد المجتمع يتمتعون بمناعة ضد مرض ما، إما بسبب تلقيهم تطعيماً ضده، أو إصابتهم سابقاً بهذا المرض، فسيؤدي ذلك بالتبعية إلى كسر سلسلة انتقال المرض عبرهم، قبل وصوله إلى الشخص الذي لا يتمتع بالمناعة. وبناءً عليه، كلما زادت نسبة المتمتعين بالمناعة داخل المجتمع (القطيع)، قلّت نسبة احتمالات التعرض للعدوى من شخص مريض.

ولفهم هذه العملية، لنا أن نتخيل سيناريوهين لشخصين؛ أحدهما مريض وسنمنحه رمز (أ) والآخر سليم وليس لديه مناعة وسنمنحه رمز (ب)، وبينهما ثلاثة أشخاص مثلاً. في السيناريو الأول، إذا ما كان هؤلاء الثلاثة أشخاص ليس لديهم مناعة سابقة، فسينتقل الميكروب من الشخص (أ)، عبر هؤلاء الثلاثة، واحداً تلو الآخر، حتى يصل إلى الشخص السليم (ب). لكن، في السيناريو الثاني، إذا كان الثلاثة جميعهم يتمتعون بالمناعة ضد الميكروب، فلن يستطيع الانتقال من الشخص (أ) إلى أي من هؤلاء الثلاثة، وسيتوقف انتقاله تماماً، ولن يستطيع الوصول إلى الشخص (ب). إن انقطاع سلسلة العدوى هذه، ينتج عنه إبطاء انتقال المرض بين أفراد المجتمع أو ربما توقفه تماماً.

وبالفعل، إذا ما وصلت نسبة انتشار المناعة الفردية داخل المجتمع لحد معين، فيمكن لمناعة القطيع ككل أن تقضي تدريجياً على المرض. والحد الأدنى لنسبة الانتشار تلك في حالة مرض الحصبة مثلاً هي 95%، أي أن 95% على الأقل من الأفراد يجب أن يتلقوا التطعيم ضد فيروس الحصبة، كي يتمتع المجتمع بمناعة القطيع ضد فيروس الحصبة. وإذا ما انتشر نجاح المجتمعات المختلفة حول العالم في تحقيق هذا الحد الأدنى من التغطية التطعيمية، فيمكن ساعتها القضاء نهائياً على الميكروب. وهو بالتحديد ما حدث مع فيروس الجدري عام 1977.

وكما ذكرنا سابقاً، تتحقق مناعة القطيع من خلال تراكم مناعة الأفراد داخل المجتمع بأحد طريقين: التعرض سابقاً للميكروب والنجاة منه، ومن ثم التمتع بالمناعة ضده، أو من خلال برامج التطعيم المجتمعية. وللأسف تعرضت هذه البرامج لنكسة واضحة خلال السنوات القليلة الماضية، ضمن ما أصبح يعرف بالقصور في التغطية التطعيمية أو فقر التطعيمات، والذي يُرد إلى عدة أسباب؛ مثل شح الموارد والتي قد تُوجه لأولويات صحية أخرى، وسوء إدارة نظام الرعاية الصحية، وضعف نظم المراقبة والمتابعة، والاضطرابات والقلاقل السياسية، والحروب والصراعات المسلحة، وغيرها من الأسباب. كما أصبحت توجه أصابع الاتهام إلى تردد الآباء وشكوكهم في جدوى وسلامة تطعيم أبنائهم، وهو أمر قد يكون جزئياً بسبب المعلومات الخاطئة الرائجة على وسائل التواصل الاجتماعي، وفقدان الثقة في نظام الرعاية الصحية، بالإضافة إلى النقص النسبي في عدد العاملين بالقطاع الصحي في العديد من دول ومناطق العالم.