منشور “خطير” من فارس حرّام حول إبعاده عن وزارة الثقافة وتغييره في اللحظات الأخيرة يكشف كواليس “كيفية التوزير”!

يس عراق: بغداد

كشف الكاتب المعروف فارس حرام، كواليس ابعاده من وزارة الثقافة في اللحظات الاخيرة بعد ان كان المرشح الوحيد والأبرز للحقيبة، في رسالة مطولة كشف من خلالها “استمرار المحاصصة” وابتزاز المرشحين من قبل بعض الكتل، مايطرح حقيقة مفادها ان معظم الوزارء قد “أذعنوا” للكتل قبل الموافقة على توزيرهم.

وجاء في نص الرسالة التي نشرها حرام على صفحته ورصدتها “يس عراق”:

 

(هذه هي القصة)

 

الآن، وبعد التصويت على ما تبقى من الكابينة الحكومية هذا اليوم، أكتب هذه الشهادة للتاريخ بناءً على طلب وإلحاح من أصدقاء كثيرين..

 

في يوم السبت ٩ أيار، اتصل بي الصديق مشرق عباس مكلّفاً من السيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بمفاتحتي للقبول بترشيحي وزيراً للثقافة، بناءً على استشارته عدداً من المثقفين وترشيحهم إياي. اعتذرت من دون تفكير لأسباب مختلفة أهمها ثقتي بأن مجلس النوّاب لن يصوّت لي على غرار عدم تصويته على هشام داود في جلسة تمرير الحكومة، ذلك أنني جزء من حركة الإحتجاج، ورشّحت له بعض الأسماء البديلة.

بعد أسبوع، دُعيت للقاء مع السيد الكاظمي في مكتبه. جلسنا وحدنا قرابة ٢٠ دقيقة، عرض فيها خطته لترشيحي، وأنه يقدّر اعتذاري وقيامي بترشيح آخرين، لكنّ آراء غالبية المثقفين الذين استشارهم كانت ترشّحني، وأنه يعرفني منذ سنوات ويعرف دوري في النشاط الثقافي ونجاحي المعروف في إدارة اتحاد الأدباء والكتاب في النجف الأشرف طوال ست سنوات، وأنه يثق جداً بأهمية وجودي معه في مجلس الوزراء في هذه المرحلة الانتقاليّة الصعبة.

شكرته وطلبت منه مهلة للتفكير، لما بعد ظهر اليوم التالي. وقلت له إنني سبق أن اعتذرت للسيد محمد توفيق علاوي عن ترشيحي للوزارة نفسها في كابينته، بعد أربع محاولات لإقناعي من مكتبه، تضمنت إحداها طلباً أن أحضر لمقابلته واعتذرت عن ذلك كله لأسباب أهمها أن ساحات التظاهر كانت مليئة بالدماء بسبب رفضه من كثير من المتظاهرين آنذاك، وأن الجو الشعبي العام منقسم بشأنه.

 

استشرت عدداً كبيراً من الأصدقاء المثقفين والمتظاهرين في النجف وبغداد، ووجدت دعماً كبيراً منهم ووضعوا ثقتهم بي بسبب حساسية المرحلة القادمة التي تتطلب أن نكون قريبين من القرار الحكوميّ. ولكن مع هذه الاستشارات عدت واتصلت بمستشار رئيس الوزراء المكلف بالمتابعة معي عصر اليوم التالي وبينت عدم ارتياحي وميلي للاعتذار لأسباب مختلفة. بعد ربع ساعة تقريباً دعاني رئيس الوزراء مرة أخرى لمكتبه وهناك وجدت بعض مستشاريه وطلب مني معرفة ما استجد من هواجسي، وفتحت الكلام على مصراعيه وبكل صراحة، وقلت بالحرف الواحد إنني سأغامر برأسمالي الرمزي في الوسطين الثقافي والاحتجاجي في مرحلة انتقالية فيها تحديات كبيرة، وأريد أن أعرف مدى حريتي في العمل داخل الوزارة، لأنني أريد أن يدخلها الوسط الثقافي الرصين ويعمل فيها بشكل حقيقيّ، كما أن الوزارة مليئة بملفات فساد كبيرة وهذا يعني أن العمل فيها “سيضايق” الأجواء السياسية المتواجدة في الوزارة حالياً من الأحزاب المختلفة، فمن سيحمي قراراتي من النقض؟ وأشهد أنني وجدت في الكاظمي شجاعة ومبادرة سريعة قال فيها من دون تردد: أنا حزبك وكتلتك ولك الحرية المطلقة مادمت مصلحاً، وسأكون أنا المفاوض في ترشيحك. وهنا أعطيت موافقتي له وتوكلت على الله، وقلت إنني حتى لو تم رفضي من بعض الكتل السياسية فسيكون هذا علامة قوية على خواء كثير من شعاراتها من المصداقية.

 

خرجت من المكتب واتصلت بالأصدقاء الذين رشحتهم بدلاً عني قبل أسبوع، وأخبرتهم أن رئيس الوزراء مصر على ترشيحي فباركوا لي ودعوني إلى الموافقة وأعلموني أنهم سيوقفون اتصالاتهم الخاصة بترشيحهم هم. وهكذا أصبحت عملياً “المرشح الوحيد” لرئيس الوزراء لهذه الوزارة.

 

بعدها بايام وصلني اتصال من صديق ذكر لي أنّ لديه رسالة من كتلة سياسية تقول إنني لن أمرّ ما لم أجلس معهم و”أرتب الموضوع”، هكذا كان بالحرف الواحد. ثم جاءني اتصال آخر من صديق آخر يحمل الرسالة نفسها من الكتلة نفسها، وكان ردّي على الرسالتين أنني ليس لديّ موقف شخصيّ من هذه الجهة بالذات، وتمنيت لو أن الدعوة جاءت في سياق استفهام برلماني عن مشروعي المأمول في الوزارة لكي تحصل القناعة عند نواب هذه الكتلة للتصويت أو عدمه، لكن الواضح أنها تعني حرفياً “تقديم تنازلات لتمريري تحت سقف التحكم بقراري والمحاصصة”، وقد خرجت مع شباب التظاهرات طوال عشر سنوات تقريباً ضدّ المحاصصة والفشل الإداريّ والفساد المالي الناتج عنها، ومن غير المعقول أن أناقض موقفي المبدئي هذا وأفرّط بتاريخي من أجل منصب وزير، قال لي ناقلا الرسالتين (بحرص على توزيري) أنني سأخسر إذن هذه الوزارة، قلت لهما وليكن!

 

بعدها أخذ موضوع ترشيحي يتصاعد برلمانياً وإعلاميّاً، وأخذت الاتصالات تردني من مثقفين ونواب وشخصيات عامة، تبارك وتدعم، وظهرت منشورات من مثقفين عراقيين مهمين وأدباء شباب وكبار في هذا الاتجاه. ودعاني عدد من نوّاب محافظة النجف الأشرف من كتل مختلفة إلى لقاء مفتوح يدعمونني فيه بأن أكون وزيراً “عن النجف” في مجلس الوزراء، وأنهم سيثمنون هذه الخطوة بلقاء خاص معه. وهذا اللقاء هو الوحيد الذي جلست فيه مع جهة برلمانية أو سياسيّة طوال فترة الترشيح، وكان هذا يوم السبت الماضي.

 

بمحاذاة ذلك استغربت أن تلك الكتلة بدأت تشيع بنفسها قضية عدم قبولي الجلوس معها، وكانت تردني اتصالات من أناس مختلفين ينقلون عن بعض شخصياتها أنني “رفضت الجلوس معهم”، واستغربت أنهم كانوا يفضحون أنفسهم بأنفسهم!

وكانت تردني باستمرار اتصالات من أجواء المفاوضات البرلمانية تنقل لي رفض تلك الكتلة ترشيحي رفضاً قاطعاً وصل إلى حد “الفيتو”، وطبعاً كان الادعاء الوحيد لديهم أنني “ملحد”! لم يتكلموا عن أي سبب آخر، لا ضعف كفاءة ولا قلة نزاهة ولا عدم اختصاص! كما إنهم كانوا يحرصون على أن لا يتطرقوا إلى السبب الحقيقيّ وهو أنني “متظاهر” أو أنني شخص رفضت الجلوس والتنازلات تحت سقف المحاصصة. وبإزاء هذا الرفض المستميت من الكتلة كانت تردني في المقابل معلومات عن تنامي القبول بتمريري في البرلمان من نواب كثيرين كانوا يميلون إلى تقديم “دليل” إلى الناس أنّ العملية السياسية تمر بفترة تصحيح، ومرحلة انتقالية، يكون من أبرز علاماتها أن يكون فيها مكان لمن هم خارج الطبقة السياسية وكذلك مكان للمحتجين داخل العمل الحكومي تمهيداً للانتخابات القادمة.

 

وكانت فرص مروري في البرلمان تتصاعد طوال الأيام التي تلت بناءً على ما يردني من معلومات من مصادر مختلفة، وأن رئيس الوزراء يفاوض بشكل عنيد وقوي من أجل تمريري، وكنت المرشح الوحيد لغاية يوم الأربعاء ليلاً، أي قبل ساعات من إعلان أسماء مرشحي الوزارات في وسائل الإعلام ظهر أول أمس الخميس، وحينها تفاجأت بأن اسمي غير موجود! وتلقيت اتصالاً هاتفياً من رئيس الوزراء اعتذر فيه عن الخطأ الحاصل في عدم اخباري مبكراً لهذا التغيير قبل ظهور الأسماء في الإعلام وذلك لظروف طرأت وصرفت جهده إليها، كما شرح فيه بألم ما عاناه في سبيل مواجهة الرفض الذي كان موجهاً ضدّي الذي لم تكن وراءه أسباب تتعلق بنوعية شخصي أو أخلاقي أو كفاءتي! وانتهت المكالمة بتقديمه كلّ الاستعداد لرد الاعتبار لي بالطريقة التي أراها مناسبة.

 

اتصالات أخرى كثيرة وردتني تستفهم عن أسباب الرفض والتغيير، ولم أجد لها جواباً!

 

الغاية من هذا المنشور أن أقول أنّ البنية العميقة للمحاصصة لا تزال تشلّ العمل الحكوميّ وتفرض شبكتها الصارمة على كلّ مفاصله، واننا نحتاج إلى شوط كبير من عمل الحكومة وبعض الشخصيات والفعاليات السياسية بالاتجاه الصحيح لنتأكد من أننا فعلاً في مرحلة انتقالية سياسياً وإدارياَ، يتشارك فيها الجميع من موالين للسلطات ومن معارضين ومحتجين من أجل انقاذ العراق من الضياع بشرط توافر النيات الصادقة.

 

أجد الفرصة مناسبة هنا لأشكر رئيس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي على منحي الثقة بالرغم من اعتذاراتي المتكررة والشروط الكثيرة التي وضعتها لكي أوافق، وهذه نقطة تحسب له، كما أشكره على إصراره على تمريري إلى آخر لحظة. وأشكر من قبل ومن بعد من رشّحني لهذه المسؤولية من المثقفين، وكلّ من وضع ثقته بي من المتظاهرين والأصدقاء. كما أقدم التبريك للدكتور حسن ناظم بمناسبة التصويت عليه اليوم في مجلس النواب وأتمنى له التوفيق والنجاح بما يخدم الحركة الثقافية في بلادنا الحبيبة.

 

(تنويهات)

– أخذت الموافقة والدعم من الغالبية العظمى من ناشطي تظاهرات النجف وتنسيقية جامعة الكوفة، وأسماء فاعلة في ساحة التحرير وبعض المحافظات الأخرى، قبل أن أعطي موافقتي النهائية.

– لم ترشّحني أي كتلة أو حزب كما أشيع عني في بعض الأوساط، فلا أنا مرشح الصدريين ولا الشيوعيين ولا الحكمة ولا النصر، ولا أي جهة أخرى، أنا مرشّح رئيس الوزراء فقط.

– لم أحذف طوال فترة الترشيح أيّ منشور أو تغريدة تتعلق بمواقفي الاحتجاجيّة في الفيسبوك وتويتر، فأنا أولاً وأخيراً ابن ساحة الاحتجاج التي أفخر بها مدى الحياة.

 

(ملاحظة أخيرة)

هذا المنشور ليس للتنكيل بجهات أو شخصيات سياسية على نحو شخصيّ، وإنما للتحذير من استمرار المشكلة المستعصية في إدارة العراق: المحاصصة، ولهذا فإني سأحذف أي تعليق يتضمن السب والشتم، وأبقي التعليقات التي تناقش الموضوع في فضاء حر ومسؤول.