من التظاهر المطلبي إلى الانتفاض السياسي.. علي طه

كتب علي طه:

 

لا تكون الحركات الشعبية شعبية بالمعنى الخاص إن لم تكن سياسية، فهي تتحول طبيعيا بحسب رد الفعل من قبل السلطة، من تظاهرات مطلبية الى احتجاجات تذمرية الى انتفاضة فرضية، ويتناسب ذلك مع رتم الزخم الشعبي.. كل مرحلة يتناسب فيها المطلب مع الزخم الشعبي تناسبا طرديا بفعل العناد السلطوي، سيما سلطة ذات بنية مغلقة ومفصومة طبقيا عن واقع الشعب كسلطتنا بعمليتها السياسية التي يشهد القاصي والداني على فسادها..

 

السلطة اداة ادارة الدولة في خطوطها العريضة والاساسية، وليست هي الدولة، فهي شرط ضروري لعمل الدولة لكنها ليست الشرط الكافي، وبالتالي، لا معنى للمماهاة بين الدولة والسلطة الا بوجهة نظر السلطة نفسها، نتيجة استئثارها بالدولة من أجل الاصرار على بقائها، وتهديد الشعب المنتفض بخيار “الدولة/السلطة أو اللادولة/الفتنة، عدا ان ذلك ناشئ ايضا من انعدام الثقافة السياسية، والفكر الرؤيوي لطبقة السلطة وهو الامر الاخر الذي يشهد عليه الكل..

 

الدولة كأكبر مؤسسة تدير المجتمع عن طريق مؤسسات فرعية متنوعة تنتظم تحت إمرتها بتنسيق وتنظيم محكم، أمر لا بد منه لكل مجتمع يندرج بما يسمى المجتمعات الحديثة، عدا أن ذلك لا ينفي وجود تشكلات للدولة معينة في المجتمعات التقليدية القديمة، وهو ما يرجعنا الى التأكيد على ضرورة الدولة القصوى، وانها شرط لا بد منه، ويضعنا امام تحدي منافسة الاشكالُ القديمة ذات البعد الديني او الطائفي او القبلي، لمؤسسة الدولة الحديثة، بحيث ان الاشكال القديمة للدولة اصبحت مدمرة للمجتمعات الحديثة ومنافسا شرسا للدولة بالمعنى الحديث، وبالتالي هي شر لا بد التخلص منه بشكل من الاشكال..

 

عندما تتعقد المجتمعات لا بد ان تتعقد معها اليات ادارتها، والانفصام بين بنية الدولة وبنية المجتمع، هو مشكلة المشكلات التي تحاول معالجتها الديمقراطية.. ولائحة حقوق الانسان الحديثة هي ضرورية بمقدار انها جديدة، وتتضمن من حيث بنيتها مقولتي (الحرية والمساواة)، حرية الانسان في التفكير والتعبير والسلوك والامتلاك، والمساواة من حيث الكرامة الانسانية والحقوق المدنية -التي فرضت بموجب الحرية- بين الحاكم والمحكوم على حد سواء، وكذلك بين المحكومين انفسهم، وهنا تأخذ فكرة العدالة الاجتماعية دلالتها الحقة..

 

الشعور بالهوية الوطنية “نريد وطن” يتأتى من خلال ملموسية اداء الدولة لمهامها تجاه الشعب، المتحددة بالحقوق الانسانية “الحريات والمساواة”، واي خلل بذلك، يخلق انفصاما بين الدولة والسلطة من جهة، وبين الشعب والدولة من جهة ثانية، وبديهيا وضمنيا بين السلطة والشعب، السلطة التي استأثرت بالدولة لنفسها ومنعتها من أن تسير سيرا طبيعيا في وظائفها تجاه الشعب، الذي هو الهدف والغاية.. فيأتي شعار “نريد وطن” بهلجته الشعبية، مؤكدا على شعبية المطالب بحقوقه، وعلى فقدان الهوية الوطنية نتيجة فقدان الحقوق الضرورية للمواطن/الشعب..

 

تحدث المشكلة عندما يتم القفز من تظاهرات مطلبية الى ثورية بسرعة دون سير طبيعي، وهو اشد مبرر يجعل الناس تتراجع عن موقفها علاوة على احقية الاتهام بالتآمر، اذ ذلك ليس تطورا طبيعيا لأي حركة تمرد شعبية… لكن ذلك ولحسن الحظ لم يحدث لدينا بهذه الكيفية، بل حدث التدرج الطبيعي ببطئ، وهو الامر الذي زاد من ثبات الشعب وإصراره كلما اصرت السلطة على اتهامه بالتآمر والاندساس، بعكس مما لو كان التطور غير طبيعي، اذ نتيجته التراجع، لانه يحتوي فعلا على ما يتم اتهامه به، ولأن العنف الذي لا يكون كرد فعل هو اداة العاجز عن استيفاء الرأي العام والشعبي لصالحه، فيحاول بالقوة فرض ما لم يحصل بدونها، فكيف لو كانت انتفاضة شعبية لا تسمح بالعنف حتى كرد فعل اساسا؟..

 

من لم يستطع اجراء الحقوق للمواطنين، بعد المطالبة والتشديد من قبلهم على فقدانها، عليه مغادرة كرسي السلطة رغما عن انفه، والا فإن لم تحدث ثورة فعلية ذات عنف لطرده، فبأحسن الاحوال لن ترحمه حتى الاليات السلمية بالتغيير الديمقراطي، حيث اليوم اللاعب الاول والأكبر هو الشعب كرأي عام يرفع ويسقط من يشاء من السياسيين، إن توافرت نخب تحسن بنضالاتها التعامل مع الشعب وتقترب من ايقاعاته ومعاناته وآماله، لتضعه بالصورة الصحيحة امام السلطة وتساعده بالكيفية التي ينبغي أن تقلع به السلطة بعد أن يثبت لا شرعيتها..