من خلف الكمامة.. إنعام كجه جي

كتبت: إنعام كجه جي

هل رأيتم تلك المشاهد المؤلمة لسكّان هضبة الجولان وهم يحملون مكبرات الصوت للسلام على أهاليهم، من هم في الجانب السوري ومن هم في الأرض المحتلة؟ أمس أحسست ما يحسّون. كنت امرأة من الجولان. أقف على الرصيف المقابل للعمارة التي تقيم فيها ابنتي. أراها من بعيد وأجاهد أن تسمعني. لا أملك مكبراً للصوت. أصرخ وأنا أسألها عن أحوالها وأسرتها. أتوسل إليها ألا تنزل لكي نتفادى العدوى. وهي تخاف علي من نفسها لأن التلفزيون يقول إن الكبار معرضون للفيروس أكثر من الشباب. أتحرّق لكي آخذها إلى صدري، وهي في نافذتها تلوح لي بمنديل، كما يفعل سجناء الزنزانات.

منذ أسابيع فرض علينا «كورونا» الحرمان من أبنائنا وأحفادنا. وكانت حروب ونزاعات قد فرضت على ملايين العرب الهجرة والنزوح والحرمان من الآباء والأمهات. نطيع الأوامر ونلزم البيوت. لدينا ساعة واحدة للخروج في محيط كيلومتر واحد حول المبنى. أستغلها وأنزل لشراء اللوازم وأمرّ على الصيدلية القريبة: «هل لديكم كمامات؟». كل يوم يهز الصيدلي رأسه آسفاً. لكنه سألني أمس عن عمري ثم أعطاني كيساً شفافاً فيه ثلاث كمامات. فرحت فرحاً شديداً وأخرجت المحفظة لتسديد الثمن. قال إنها مجانية لكبار السن. يا فرحة ما دامت.

أتفرج على المسلسل الرمضاني وأرى نادية الجندي ونبيلة عبيد وهالة فاخر وسميحة أيوب تتهادين على الشاشة مثل أغصان البان. وجوه صقيلة وخدود ناهدة وشفاه أصابها الورم وانقلبت على ما حولها وتسريحات نضرة يهفهف فيها النسيم. أتفرج ساكتة ولا أحاول تخمين أعمارهن. ربنا أمر بالستر. ليت الصيدلي الملعون يأتي ويتفرج معي. سيحتاج صندوقاً كاملاً من الكمامات.

ينتهي المسلسل وأعود إلى نشرة الأخبار. أكتشف صفة جديدة لدى الرئيس الأميركي هي خفة الدم. حبكت معه النكتة فاقترح شرب الديتول للقضاء على الفيروس. يجيد دونالد ترمب الواقعية السحرية، لا في الأدب، إنما في السياسة. لا بد أنه قلق من ذلك القاتل الذي يتجول في الشوارع ويخطف آلاف الأرواح كل ليلة. يخاف ويدّعي الشجاعة ويحاول الترفيه عن مواطنيه. ففي الأوقات العادية، كان الناس يفزعون عند وجود سفاح في المدينة، قتل خمسة ولم تفلح الشرطة في القبض عليه. يثور قائد البوليس على رجاله ويطالبهم بالإسراع في اعتقال القاتل. إن الصحافة تنتقدهم والجهات العليا تضغط عليهم. هكذا كان الحال في الأفلام. كيف بهم والسفاح يقتل خمسين ألفاً؟

سفاح معروف موصوف وعلى رأسه تاج. يضرب لنا المثل في الديمقراطية الحقّة. لا تمييز بين عرق أو مذهب أو جنس أو جنسية. له سطوة على الدول الغنية أقوى من شركات السلاح. وعلى الدول النامية أقوى من سطوة البنك الدولي. مارس التنويم المغناطيسي على الطائرات والمسارح والمقاهي. على دور العبادة. ترسل الدولة الفرنسية طائرات مُسيرة لكي تصوّر باريس وهي صفصف. تتكدس عشرات الآلاف من السيارات الجديدة في الموانئ ولا تجد من يشتريها. ينبع الذهب الأسود من أرض القارة الجديدة ويتبدد هدراً. هات عبد الوهاب ليغني: «يا نفط مين يشتريك…».

نقول إن شرّ البلية ما يُضحك. إن الفيروس يبعث على الهلوسة. إن الرواية صارت بائخة وحتى مستحيلة. ربما بات على المؤلف أن يغسل خيالاته ويكويها ويطويها ويضعها في النفتالين. أرى غارسيا ماركيز ينهض من رقدته، في مشهد خُلّب، وهو يقهقه ذاهباً ليعيد «نوبل» لأصحابها. يتنازل عنها للمبدع «كورونا» مالئ الدنيا وشاغل الناس.

 

* صحافيّة وروائيّة عراقيّة.