من هو الجوكر؟ ومن هم الجوكريّة؟.. فارس كمال نظمي

كتب د. فارس كمال نظمي أستاذ علم النفس:

يكتسب هذا السؤال أهميته وضرورة الإجابة عنه، في ضوء تجدد الزخم الراديكالي للاحتجاجات اليوم، وما رافقها ويرافقها من إجراءات أمنية وقانونية متعسفة لشيطنة من يقومون بحرق الإطارات وقطع الطرق بوصفها “جرائم” يرتكبها “المشاغبون” و”الجوكرية”، دون أن يتم التطرق لحرق مستقبل ملايين الشباب المحتج وقطع سبل العيش الكريم عنهم.

فمنذ الأيام الأولى لاندلاع الحراك التشريني الثوري، استثمرت قوى الثورة المضادة صورة ولفظ “الجوكر” لوصم المشاركين به، وشيطنتهم، والحكم عليهم مسبقاً بـ”العنفية” و”الدموية” و”الدونية”. فقد حاول الجلاد (أي المنظومة الحاكمة والحواشي الزبائنية الراضعة منها) منذ البداية تبرئة نفسه بأن يستبق الأحداث، فيقوم بإسقاط “جوكريته” المبيتة على الضحية الناهضة للتو من صمتها لترفض جريمته.

يعود أصل مصطلح “الجوكر” Joker إلى فيلم أمريكي مدهش بهذا العنوان حقق إيرادات هائلة، من بطولة (خواكين فينيكس) وإخراج ) تود فيليبس)، عُرض للمرة الأولى في صالات العرض العالمية في أيلول الماضي أي بالتزامن مع احتجاجات تشرين. يتميز الفيلم بحبكة سيكولوجية مميزة، إذ يتناول قصة شاب فقير ومسالم وغير متزن نفسياً، يؤدي أدواراً تمثيلية “كوميدية” فاشلة لشخصية الجوكر (أي المهرج)، ويتعرض لكمية هائلة من الإذلال والإفقار والانتهاك والتعنيف من المجتمع (السلطة الاجتماعية والاقتصادية) طوال مراحل حياته بدءاً من الطفولة. وينتهي به الأمر إلى التمرد القاسي ليبدأ بالانتقام الدموي من الآخرين، الأمر الذي يجعل منه “بطلاً” في نظر فئات اجتماعية مسحوقة، تأخذ بالتماهي معه، لتنتشر في المدينة حالة من الانفلات الأمني والفوضى المصحوبة بالثأر من أصحاب الأموال والمراكز العليا.

ودون أدنى شك فإن السياق الذي جرت به الاحتجاجات العراقية لا يتطابق إطلاقاً مع مجريات القصة السينمائية للجوكر كما أرادت قوى الثورة المضادة تصويرها أو تسويقها تدليسياً. فكمية التعنيف والقنص وتفجير الرؤوس التي تعرض لها المحتجون الشباب، وما سبقها من سنوات الإفقار والإذلال، لم تحفز فيهم إلا الإصرار على خيار الرد الاحتجاجي السلمي بوصفه قيمة أخلاقية فاعلة تتسم بالتفوق الاعتباري على قمع السلطة وقسوتها.

فإذا كانت الثيمة السينمائية “الجوكرية” تختزل قصة العنف الفردي والجمعي الدموي الذي تضطر إليه الضحية المُحْبَطة إنتقاماً من جلادها (أي البيئة الشمولية حولها)، فإن الشباب التشريني المُحْبَط لجأ – في سلوك متسامي لا جوكري- إلى كل وسائل الاحتجاج السلمي بضمنها التظاهر والاعتصام والإضراب والغناء والرسم والسخرية السياسية، ودون أن يُستَدرجَ (لحد الآن) إلى حمل السلاح أو الاستهداف العنفي المنظم لرموز السلطة.

وفي المقابل لجأت السلطة (الرسمية وما دون الرسمية) إلى وسائل القتل الميداني بقنابل الغاز والقنص بالرصاص الحي، والاغتيال بكواتم الصوت للناشطين، فضلاً عن الخطف والاعتقال والتغييب والتعذيب. كما لجأت في السياق نفسه إلى الاغتيال المعنوي للمحتجين بأن قامت بجوكرتهم لفظياً وإعلامياً، في قنواتها التلفازية وعبر جيوشها الإلكترونية، بإلصاق وصمة “الشر الجوهري الكامن” فيهم، سعياً لتحويلهم إلى كائنات “شاذة” أو “متطرفة” أو “آثمة” أو “خطيرة” أو “موبوءة” في المخيال الاجتماعي للناس.

فالضحية “واجبها” أن تبقى ضحية إلى ما لا نهاية، وإذا اعترضت على استباحتها وانسحاقها يجري تسقيطها فوراً بوصفها (أي الضحية) “عميلاً” جرى تجنيده ضمن “مؤامرة” عالمية شريرة وغامضة تستهدف تقويض المنظومة السياسية الممثلة – بالرغم من كل خطاياها “القابلة” للغفران- لقوى “الخير” و”العفة” و”الوطنية”. فالضحية تبقى بريئة و”منتمية” لنا ما دامت لم تعترض أو تحتج، لكنها تصبح “جوكراً” آثماً حالما تشرع أو تفكر في مغادرة بؤسها.

فمنْ هو الجوكر إذن؟ ومنْ يشيطن منْ؟ ومنْ يتآمر على منْ؟ ومنْ يقنصُ منْ؟ ومنْ يتربع على عرشه (كالجوكر السينمائي القاتل في نهاية الفيلم)، مستخفاً بآلام المسحوقين المتلهفين لوطن، إذ يحدق في وجوههم الدامية وعلى وجهه ابتسامة الانتقام المشبعة بالرضى واللامبالاة…؟!