نظرة في مقترح قانون الانتخابات المقدم من رئاسة الجمهورية

كتب: مقداد الشريفي

تداولت بعض الأوساط السياسية وعدد من المهتمين بالشأن الانتخابي مسودة قانون انتخابات مجلس النواب تم إعدادها من قبل رئاسة الجمهورية .. وبعد الاطلاع على هذه المسودة المقترحة لابد من أعطاء رأياً فنياً مهنياً بإمكانية تطبيق هذا المقترح الوارد في هذه المسودة باعتبار العراق دوائر انتخابية متعددة وكما ورد في نص المسودة ( تقسم الدوائر الانتخابية على أساس دائرة انتخابية لكل قضاء في المحافظة ، و يكون الترشيح فردياً ضمن الدائرة الانتخابية).
ان اعتماد اي نظام انتخابي يجب ان تكون له محددات تحدد إمكانية تطبيقه من عدمه ويراعى في ذلك اهم عنصرين هما الجانب السياسيي والفني وهنا سوف نركز على الجوانب الفنية اكثر من الجوانب السياسية وما يخلفه من مشاكل في هذا الجانب .
ان النظام الانتخابي المستخدم في جميع الانتخابات في العراق بعد عام 2003 هو التمثيل النسبي والذي تم اقتراحه في حينه من قبل الأمم المتحدة وذلك لطبيعة ألوان الشعب العراقي وما يحتويه من مكونات وأقليات .. وعادة ما يعتمد نظام التمثيل النسبي للتطبيق في نموذج مثل العراق ،
ان مغادرة نظام التمثيل النسبي والاتجاه الى نظام الأغلبية بهذه الطريقة المقترحة في مسودة القانون قبل المرور بعدة أجراءات استباقية سوف تسبب إشكالات وانعكاسات على المشهد السياسي في البلد في هذا المقطع الزمني الحساس ، وهنا
ما يهمنا في مقترح القانون هو إمكانية تنفيذه على ارض الواقع أم لا .
ان الشروع في اعتماد أي نظام انتخابي في اي بلد بالعالم يسبقه معرفة البنى التحتية التي يرتكز عليها هذا النظام وفي حال عدم توفر هذه البنى لا يمكن الشروع باي نظام حتى لو كان يلبي اغلب الطموحات ، واهم محدد يرتكز عليه النظام الانتخابي في دولة مثل العراق هما عاملين مهميين أولهما التنوع في طيف الشعب العراقي والاخر هو بيانات الناخبين والتوزيع الجغرافي لها والذي يعبر عنه بسجل الناخبين حيث يعتبر سجل الناخبين المفصل الفني المهم الذي من خلاله يمكن معرفة إمكانية تنفيذ النظام من عدمه .
من المعلوم بأن الدولة العراقية ليس لديها مؤسسة تحوي قاعدة بيانات رصينة و متكاملة لجميع مواطنيها حتى يتم الاعتماد عليها في بناء سجل ناخبين كما في دول العالم .. وقاعدة البيانات التي تم الاعتماد عليها في بناء سجل الناخبين في جميع الانتخابات بعد عام 2003 هي قاعدة بيانات البطاقة التمونية وعمليات التحديث التي اجريت عليها من قبل المفوضية ، وتم بناء سجل الناخبين بالاعتماد على هذه القاعدة من البيانات رغم المشاكل الكبيرة الذي احتوتها حيث ثبتناها في مقالات سابقة .
ان تقسيم العراق انتخابياً إلى دوائر متعددة على مستوى قضاء في ظل سجل الناخبين الحالي دون الذهاب إلى احصاء سكاني دقيق .. استحالة تطبيقه على ارض الواقع كما ورد في مقترح رئاسة الجمورية ولعدة أسباب :_
1. عدم تثبيت الحدود الادارية بين الأقضية بشكل يتناسب مع توزيع الناخبين في الأقضية لتجسد انعكاساً حقيقياً لسجل الناخبين الذي من خلاله يمكن تطبيق القانون كما في محافظة بغداد ونينوى والبصرة وكركوك والسليمانية وذي قار والديوانية
2. لا تتطابق الحدود الادارية للأقضية مع انتشار مراكز الاقتراع في اغلب المحافظات مما يسبب اشكالية عائدية المصوتين لأي قضاء أي بمعنى لأي دائرة انتخابية وبذلك لا يمكن تحقيق ما قصده مشروع قانون رئاسة الجمهورية
3. وجود تنازع بين المحافظات على الحدود الادارية لبعض الأقضية المتجاورة والمتداخلة في ما بينها مما يسبب مشكلة بعائدية الناخبين لأي قضاء ولأي محافظة . مثالا على ذلك بين بغداد والأنبار وبين بغداد ديالي ، بين صلاح الدين وكركوك ، بين ديالى والسليمانية، بين الانبار وكربلاء
4. وجود تنازع على عائدية بعض الأقضية وحدودها والذي يعبر عنها بالمناطق المتنازع عليها في المادة 140 بين الاقليم والمحافظات المجاورة لها وما سوف يتسبب من مشاكل كبيرة تعميق الخلاف في حال اعتماد هذه المناطق دوائر متعددة على خلاف من اعتماد المحافظة دائرة واحدة التي تم فيها تجاوز هذه الإشكالات
5. يصعب تطبيق النص الدستوري لكل 100000 نسمة ممثل في البرلمان كون ان اكثر من 56 قضاء من اصل 163 قضاء حسب اخر احصائيات الجهاز المركزي اقل من 100 الف وعليه فان اكثر 34‎%‎ لأيمكن اعتمادها دوائر انتخابية وبذلك لا يمكن تطبيق المادة 11 أولاً من مسودة القانون باعتبار كل قضاء دائرة انتخابية ؟
6. ان دمج القضاء الذي لا يحيوي100 الف نسمة مع القضاء المجاور له اقل عددا لتحقيق المبدأ الدستوري كما ورد في مسودة القانون في المادة 14،ثانيا لا يمكن تحقيقه بصورة تامة في جميع المحافظات لوجود أقضية دون 100 الف لا يوجد بجورها قضاء اقل عدداً ؟ حيث يوجد قضاء في شرق المحافظة دون آل 100 والآخر الذي اقل عدداً في غرب المحافظات ، ولم تناقش المسودة الحالات الأخرى بوجود قضاء فريد في محافظة دون آل 100 نسمة كيف يتم التعامل معه وحالات أخرى أيضا لم يتم التطرق لها حسب الإحصائيات المحددة في الجهاز المركزي للإحصاء .
7. يصعب فيه تنفيذ كوتا النساء بحسب النصوص الواردة في مسودة القانون كون العمليات الحسابية الواردة فيه تنطبق على القوائم الانتخابية ليس في الترشيح الفردي علماً بان النصوص الواردة في هذا الشأن هي ذاتها الواردة في نظام توزيع المقاعد للانتخابات عام 2014 و 2018 التي بالضرورة لا تنطبق على ما مطروح في مسودة قانون رئاسة الجمهورية .
وكل ما ذكر أعلاه كان مانع يحول دون اجراء انتخابات مجالس الأقضية …. وإلا ما السبب من عدم اجراء انتخابات مجالس الأقضية لحد الان ؟؟ والتي ترد دائما في قانون انتخابات مجالس المحافظات وتلزم المفوضية من أجرائها بعد ستة اشهر من اجراء انتخابات مجالس المحافظات لكن المفوضية لن تتمكن من اجرائها طيلة السنوات السابقة بسبب تصميم سجل الناخبين وتوزيع الناخبين في جغرافية لا تعتمد إلى الحدود الادارية للأقضية في اغلب المحافظات .
ان اعتماد نظام الأغلبية في انتخابات برلمان باعتماد الفائز الاول كما مذكور بالمسودة فيه لبس كبير كون الفائز الاول ينتج فائزاً واحد عن دائرة انتخابية واحدة بينما الواقع ان عدد كبير الدوائر ( الأقضية ) سوف تنتج اكثر من فائز حسب عدد نفوس ذلك قد تكون 2 أو 3 أو 4 .. إلخ وبذلك فان طريق الفائز الاول لا تنسجم مع ما مذكور في المسودة كون الطريقة المقترحة هي الصوت الواحد غير المتحول وليس الفائز الاول الذي يعطي عدد فائزين لكل دائرة وليس فائز واحد .

ان التوجه على اعتبار العراق دوائر متعددة على مستوى القضاء لا يمكن تطبيقه من الناحية الفنية في الوقت الحاضر ما لم نجري احصاء سكاني دقيق توضع فيه البيانات المطلوبة بالرغم من انه اكثر عدالة لتحقيق إراداة الناخب .. وعلى المشرع الالتفات الى ذلك الأمر المهم ..
[٣:١٠ م، ٢٠١٩/١١/١١] د. علي وجيه: مقال مدونة