هل اتخاذ الصدر موقف صلب من امريكا هو ركون لإيران؟.. عبدالجليل النداوي

كتب عبدالجليل النداوي:

الصدر.. يُدافع عن العراق:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لو راجعنا تغريدات سماحة السيد القائد مقتدى الصدر (أعزّه الله) مُنذ أن بدأ الصراع الأمريكي الإيراني يتبلور عبر التهديدات والتهديدات المُتبادلة، لوجدنا أنّ سماحته ركّز على أمرٍ محوري واستراتيجي يأخذ حيزاً كبيراً من تفكيره وخططه، وهو تجنيب العراق من أن يكون ساحة للحرب المُحتملة.
فما الذي جرى ليُغيّر الصدر موقفه ويقف موقفاً صلباً من الولايات المُتّحدة الأمريكيّة؟
هذا السؤال رُبما يُراود الكثيرين ممن يُتابعون الصدر ويأملون فيه الخلاص من طُغم الفساد التي جثت على صدر العراق ونهبت ثرواته وأفقرت شعبه، خصوصاً وهو الطرف الوحيد من بين كل الأطراف الذي ساند مظاهرات الشعب وحماها من غدر الميليشيات المنفلتة العيار.
ببساطة نقول: إن الصدر لم يتغيّر موقفه أبداً حتى وهو يُخاطب المعتوه (ترامب) بقوله: (إن عُدتَ عُدتُ).
فهو (أعزّه الله) نأى بنفسه عن هذا الصراع، ولكن اشترط أن لا تتخذ أمريكا من الأراضي العراقيّة مُنطلقاً لها للاعتداء على الجارة إيران، وما حصل من مقتل الجنرال سُليماني هو إن أمريكا ـ الغبيّة ـ اختارت أسوأ مكان لتنفيذ جريمتها، وبذلك هي أعلنت الحرب حقيقة على العراق، لعدّة أسباب:
1. إن الجريمة وقعت على أراضي العراق وفي عاصمته السياسيّة، وفي هذا استخفاف واضح بالعراق وسيادته واستهانة بحكومته وقياداته السياسية والعسكريّة وحتى الجماهريّة، فأمريكا كانت قادرة على القيام بالعملية على الأراضي السوريّة، وكان الأمر سيكون أسهل إلا إنّها خشية من ردّة فعل قد تطال صديقتها إسرائيل، وهذا ما جعلها تبتعد جغرافياً، فهي لا تريد توريط ربيبتها في الجريمة.
2. القصف استهدف شخصيّة عراقيّة مُهمة، فأبو مهدي المُهندس (رحمه الله) قائد عراقي في قمّة هرم مؤسسة هي من ضمن منظومة المؤسسة العسكرية العراقيّة، والاعتداء عليه ليس اعتداءاً على الحشد الشعبي وحسب، إنما اعتداءٌ على كل المؤسسة العسكريّة العراقيّة، فمقتل المُهندس فيه إهانة واضحة للمؤسسة العسكريّة العراقيّة.
3. الضربة فيها خرق حتى للقوانين الدوليّة، فضلاً عن الاتفاقات المُبرمة فيما بين العراق وقوّات التحالف التي جاءت لغرض مساعدة القوات العراقيّة في الحرب على داعش، فالعراق بلد ذا سيادة وفيه برلمان منتخب وحكومة ـ وإن كانت حكومة تصريف أعمال ـ إلا إنّها لا تخرج عن الإطار القانوني الذي يخولها إدارة البلاد في هذه المرحلة، وكان من المفترض أن القوّات الأمريكيّة تأخذ الإذن من الحكومة لأي إجراء عسكري حتى وإن كان بسيطاً فضلاً عن عمليّة بهذا الحجم الكارثي.
4. الطائرة الأمريكيّة التي استهدفت الضيوف ومستقبليهم انطلقت من قاعدة أمريكيّة في دولة قطر وليس من ضمن قوات التحالف الدولي الموجودة على الأراضي العراقيّة، وهُنا تبرز نقطة مُهمة وهي أن أمريكا استفادت من أحد بنود الاتفاقيّة الإستراتيجية التي أبرمتها مع المالكي الذي يخوّل القوات الامريكيّة بالقيام بعمليات عسكريّة دون الرجوع إلى الحكومة، وهو ما رفضه السيد مقتدى الصدر في وقته.
5. السيد مقتدى الصدر حتى بعد صدور تغريدته التي طالب فيها لواء اليوم الموعود وجيش الإمام المهدي بالتهيؤ والاستعداد لم يَعني أبداً مشاركة أحد جانبي الصراع على حساب الآخر إنما قال لحماية العراق.
6. وفي توضيح لاحق للحاج صالح محمد العراقي، أكّد بأن العراق يجب أن يستنفذ كافة الطُرق الدبلوماسيّة والقانونيّة، قبل أن ينتقل إلى المواجهة العسكريّة لإجبار القوات الأمريكيّة على الخروج من أراضيه ولا يجب أن نجعل منه ساحة للحرب بالنيابة.
7. وحتى حينما دعا إلى تشكيل أفواجاً للمقاومة تجمع كل فصائل المقاومة العراقيّة طلب منهم التريث وعدم الانجرار للمواجهة ريثما يرى خطوات الحكومة العراقيّة بهذا الصدد، وأعتبر أي عمل عسكري قبل استنفاذ الطرق الدبلوماسيّة والقانونية هو عمل مُتهوّر ومُحرم حتى على المستوى الشرعي.
بعد كل هذا واهمٌ من يظن أن السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله) قد أُخذ بـ (هوبعة) التصريحات الناريّة للبعض، أو أنّه مُتأثرٌ بالأجواء العاطفية المشحونة بسبب حجم الجريمة، فهو أكبر من أن ينجر إلى عواطفه في اتخاذ قرارات مصيريّة تخص الشعب العراقي بكل طوائفه وقوميّاته ومذاهبه.
وهنا نؤكّد أن السيد الصدر غير معني أبداً بما يريده الجيران كما يتصوّر البعض، فهمه الوحيد هو العراق وشعب العراق، وسيادة العراق التي أصبحت بلا معنى وأمريكا تقتل مَن تشاء على أراضيه غير مُعترفة لا بحكومة ولا ببرلمان ولا بقوى شعبيّة، ولا حتى بمرجعيته التي اعتبرت ما جرى (اعتداء غاشم).
ولهذا فنحن مع الصدر في هذا الموقف الوطني الرافض لاتخاذ الأراضي العراقيّة مُنطلقاً للاعتداء على دول الجوار الإقليمي، وما جرى في بغداد هو جريمة واعتداء سافر يجب أن يكون ثمنه خروج القوّات الأمريكيّة من العراق وقطع يدها من التدخل بأي من شؤوننا الداخليّة.