هل الصين اشتراكية أم رأسمالية؟ .. علاء اللامي

كتب علاء اللامي :

هل الصين اليوم اشتراكية أم رأسمالية أم بين بين؟ في الجزء الثاني من مقالته المطولة القيمة يواصل الزميل عامر محسن مقاربة هذا السؤال بطريقة واضحة وموثقة يركز فيها على الجانبين الاقتصادي والأيديولوجي ولكنه – للأسف – لا يمر إلا مرورا عابرا على مشكلة السلطة وطبيعة النظام السياسي الحالي والقديم واللذين لا يختلفان عن بعضهما ولا عن جميع التجارب الحديثة لبناء الاشتراكية بواسطة الحزب ومؤسساته السلطوية الحاكمة. لماذا لا تختلف؟ لأن السلطة – كما في الدول البرجوازية البرلمانية جوهرا- تضع نفسها عمليا محل الشعب أو الطبقة العاملة لتقوم هي ببيروقراطيتها الثقيلة والقمعية ببناء الاشتراكية فيما يجلس الشعب على مدرجات الملعب التاريخي ليتفرج وهذا محض كلام لا معنى له! هنا بعض المعلومات والخلاصات المهمة من هذا الجزء الثاني حول التجربة الصينية. وهي معلومات قد تكون مفاجئة جدا لمن اعتادوا على سماع الميديا الغربية وتوابعها من “اليساريين المتحولين” من المبشرين باقتصاد السوق والاستثمارات الأجنبية تحت إشراف مستشاري السفارة الأميركية، وتجدون رابطا يحيل الى نصها الكامل في نهاية المنشور:
*هناك سرديتان صينيتان لرؤية الصين اليوم: السردية الحكومية للحزب الشيوعي الحاكم التي ترى أنّ الاشتراكية في الصين قد تحقّقت فعليّاً بحلول عام 1956 واستكمال التأميم والإصلاح الزراعي. وكلّ ما جرى في الصين مذّاك ــ وما هو موجود حاليّاً ـ يمثّل الاشتراكيّة ولكن بأشكالٍ مختلفة (اشتراكيّة مع تحديث، اشتراكيّة مع تجريب، اشتراكيّة بخصائص صينيّة، إلخ).
*والسردية الثانية هي اليسارية الماوية التي تعتبر أنّ “الاشتراكيّة”، بالتعريف، لم تتحقّق يوماً أو تكتمل. ما شهدناه هو عمليّة “انتقال اشتراكي”، وهي عمليّة طويلة وصراعيّة، وتتجاور فيها عناصر اشتراكيّة وعناصر رأسماليّة، وتحفل بالتناقضات. وحتّى عام 1978، كان المشروع الاشتراكي يغلب على المشروع الرأسمالي، بينما أصبحت الخصائص الرأسمالية هي الغالبة بعد ذلك التّاريخ.
*تقول باو يو تشيغ -مناضلة وكاتبة ماوية – إنّ أحد أهم الأسباب لنجاح الردّة الرأسمالية في الصين، كان جهل الجماهير بما يجري في الصفوف العليا للحزب الشيوعي، واعتبارهم أنّ القيادة كتلةٌ واحدة، إذ لم يكونوا – الجماهير – يعرفون أنّ كل المكتسبات التي تحقّقت لهم منذ الثورة قد انتزعت إثر صراعاتٍ داخل المكتب السياسي، وأنّ هناك من يتربّص بها، ومن الممكن بسهولة أن يخسروها من جديد.
*المسألة الإشكالية هي أنّ «الدولة الاشتراكية» (التي تزعم تحقيق المساواة وتمثيل الطبقة العاملة إلخ) لا تختلف جوهرياً عن «الدولة البرجوازية» في بنيتها: لديك في الحالتين تراتبية ورؤساء ومرؤوسون، لديك إداريون يخطّطون ويقرّرون وأناس يعملون بأيديهم، لديك «خبراء» مقابل «جهلة» لا يحقّ لهم الكلام، ولديك أفراد قلائل يتصرّفون بموارد هائلة. التاريخ يخبرنا بأنّ من يمتلك سلطةً على البشر فهو، إن لم يكن لديه رادع، سيميل حكماً إلى استغلالها؛ فما الرادع هنا؟ بالنسبة إلى ماو، هذا لن يكون إلا عبر حزب الطبقة العاملة والناس «من تحت»، والرقابة السياسية الدائمة على النخب، في الحزب والدولة والمصنع.
*تقول تشينغ بأنه بعد أربعة عقودٍ على إصلاحات دِنغ، ورغم النموّ والنجاح الاقتصادي للبلد، يوجد حوالي 300 مليون مزارع فقير في الريف اليوم، الكثير منهم عجائز وأولاد، وهم يعتاشون على الحوالات التي يرسلها 300 مليون صيني آخر هجروا قراهم للعمل في المدن. وعلى الرغم من أنّ كبار الأثرياء هم قلّة صغيرة، إلّا أنه يوجد بينهم وبين العمّال الفقراء حوالى 300 مليون صيني آخرين أصابوا نجاحاً في عهد الانفتاح وأصبحوا من الطبقة الوسطى وهم يشكّلون قاعدة شعبية تدعم النمط الرأسمالي.
*(لا يكفي أن نقول إنّ في الصين «رأسمالية دولة» ونقف هنا، فـ«رأسمالية الدولة»، كتوصيف، لا تعني شيئاً كثيراً بل هي أيضاً حالة انتقالية ومتغيّرة. يمكن لرأسمالية الدولة أن تنحو صوب التخصيص أو أن تنحو صوب الاشتراكيّة، ويمكن لها أن تعتمد نمط تنمية مستقلاً أو أن تدير اقتصاداً يحكمه أوليغارشيّون – الطغمة – يتبعون رأس المال الخارجي، إلخ).
*كان ليو ودِنغ – زعيما الحزب من اليمين – يعتبران أنّهما أقدر على تسيير الدولة وإدارتها وتحقيق النمو والاستقرار من ماو وحرسه الأحمر، وهما ربّما محقّان في ذلك بالمعنى البيروقراطي البحت (مع أنّ الفارق في النمو بين المرحلة الماوية وما تلاها ليس هائلاً ــ حوالى 6% سنوياً مقابل 8% لمرحلة الانفتاح). ولكن كان من المستحيل أن يسير عشرات ملايين الصينيين خلف ليو أو دِنغ، وأن يضحّي الملايين بحياتهم تحت قيادتهما لتحقيق ثورةٍ وتحريرٍ. “وعد ماو” – بتحقيق الاشتراكية – لم يتحقّق ولكنّه لم ينتهِ لأنّه أصبح جزءاً من تجربة الصين وتراثها، وترك أثراً في كلّ الدول المستعمرة، وستتم استعادته حين تتغيّر ظروف الزّمن.
*تتساءل تشينغ، كيف تكون الاشتراكية فشلت وهي قد انتقلت من مجرّد مفهوم نظري، فكرة موجودة في رؤوس مثقّفين، لأن تبني أحزاباً وحّدت الطبقة العاملة في أكثر من بلد وأوصلتها ــ للمرة الأولى في التاريخ ــ إلى الحكم. ثمّ أسّست دولاً وقدّمت نموذجاً للتنمية رفع مستوى حياة مئات الملايين حول العالم وصنع بلدين نوويّين. أين الفشل في كلّ هذا؟ وكثير من “اليسار” الرسمي العربي يستخدمون لغة مماثلة بالطبع. هم ليسوا من يحمل لواء الاشتراكية في عصرنا، كما يزعمون، بل هم حقيقةً تعبيرٌ عن هزيمتها وتجسيد لانكسارها.