هل بإمكان أميركا مفلسة خوض حرب باردة مع الصين؟.. هال براندز

كتب: هال براندز

تبدو أميركا على وشك إعلان حرب بادرة على الصين، في الوقت ذاته الذي يلحق الضعف بقدرتها على شن مثل هذه الحرب. وعبر مختلف الأطياف الآيديولوجية، تفاقمت مشاعر العداء الأميركي تجاه الصين، في الوقت الذي تهدد التداعيات المالية للوباء بإحداث أضرار بالميزانية الدفاعية الأميركية لسنوات قادمة.

وبذلك ربما تكون الولايات المتحدة في طريقها إلى دخول حقبة تشبه بدايات الحرب الباردة، عندما قررت مواجهة الاتحاد السوفياتي، بالاعتماد على موارد مالية محدودة للغاية.

في نهاية الأمر، خرجت الولايات المتحدة من الحرب الباردة منتصرة، بطبيعة الحال، لكن تبدو هذه المقاربة أقل إثارة للارتياح عما تبدو عليه للوهلة الأولى، لأنها تذكّرنا بأن خوض منافسة بالاعتماد على موارد مالية ضيقة قد ينطوي على مخاطر هائلة.

على مدار سنوات عديدة، دعت غالبية النخبة المعنية بالأمن الوطني الأميركي إلى اتباع استراتيجية أكثر تنافسية تجاه الصين، بينما لم يبدُ الرأي العام الأميركي واثقاً بملاءمة هذا التوجه. اليوم، تمكن فيروس «كورونا» من إقناع الكثير من الأميركيين بأن الحكومة الصينية تشكل ليس فقط بعض التهديد المبهم للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وإنما كذلك تشكل خطراً مباشراً على رخائهم وسلامتهم.

والآن، تميل الغالبية الكاسحة من الجمهوريين والديمقراطيين نحو إقرار سياسة تجاه الصين بذات القدر من صرامة أو حتى أشد صرامة عن السياسة الحالية لإدارة الرئيس دونالد ترمب. ومع تركز أعينهما على نوفمبر (تشرين الثاني)، يتنافس ترمب والمرشح الديمقراطي جو بايدن على من منهما يمثل الصقر الأكبر إزاء الصين. ومع تسارع وتيرة التداعي الاقتصادي، وازدياد حدة الخطاب والسياسات على الجانبين، فإن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين التي توقعها مفكرون ربما تتشكل فصولها بالفعل في الوقت الراهن.

إلا أنه في الوقت ذاته يهدد فيروس «كورونا» بوضع الولايات المتحدة في موقف رديء من الناحية الاستراتيجية. ولا تكمن المشكلة الكبرى هنا في افتقار أسلوب إدارة ترمب للأزمة إلى الكفاءة أو إثارته سخط حلفاء واشنطن، رغم خطورة هذين العاملين بالتأكيد، وإنما في الحقائق والأرقام المتعلقة بالموازنة.

من ناحيتها، اتخذت الحكومة الأميركية قراراً صائباً بإنفاق أي أموال لازمة للإبقاء على الاقتصاد على قيد الحياة، حتى في وقت تعاني أكثر صور التجارة بساطة وطبيعية من الاختناق. ومن المحتمل أن يضيف هذا القرار عدة تريليونات من الدولارات إلى عجز هائل بالفعل قائم هذا العام. ومن السهل توقع تكرار ذات الشكل من الأداء، العام المقبل. وفي نهاية الأمر، ستحين حتماً لحظة الحساب عن تلك العجوزات المتفاقمة، ومن المحتمل أن تصبح وزارة الدفاع واحدة من الضحايا.

جدير بالذكر هنا أنه في أعقاب الأزمة المالية 2008 – 2009، سعت الولايات المتحدة نحو تقليص العجوزات المالية من خلال تقليل الإنفاق التقديري الدفاعي وغير الدفاعي. وفي النهاية، تحمل البنتاغون تقليصاً في النفقات بمقدار قرابة 500 مليار دولار خلال السنوات التالية. ويتوقع محللون لدى مؤسسة «راند» أن إقرار تخفيضات مشابهة يشكل السيناريو الأفضل بعد انتهاء أزمة وباء فيروس «كورونا». إلا أنه في واقع الأمر ربما تأتي إجراءات تقليص الإنفاق أعمق من ذلك بكثير.

وتعد هذه مشكلة بالتأكيد، فحتى في ظل وجود ميزانية دفاع تتجاوز 700 مليار دولار، ثمة مخاوف متنامية إزاء مدى قدرة القوة العسكرية الأميركية على وقف هجوم صيني ضد تايوان، أو الحفاظ على النظام والاستقرار بمنطقة غرب المحيط الهادي، مع الاستمرار في الوقت ذاته مع جميع الالتزامات الأخرى بمختلف أرجاء العالم. وإذا انتهى الحال بالولايات المتحدة في مواجهة عجز موازنة بقيمة 600 مليار أو حتى 500 مليار دولار لفترة ممتدة من الوقت، فإن الحال سينتهي باستراتيجية الدفاع الأميركية في مواجهة مشكلة حقيقية.

من جهته، سيقف البنتاغون في مواجهة خيارات صعبة، ذلك أن باستطاعته السعي لكبح جماح الصين عبر تقليص التزاماته بمناطق أخرى. ومن الممكن أن يلجأ إلى استراتيجيات أعلى مخاطرة مثل التصعيد النووي للدفاع عن الحلفاء والشركاء المعرضين للخطر. أو ربما يحاول شق طريقه فحسب عبر التقشف المالي على أمل ألا يُقْدم الخصوم على اختبار قدرات أميركا المتضائلة. ولا تبدو أي من هذه الخيارات جيدة، خصوصاً في ظل تفاقم التوتر الأميركي – الصيني، وفي وقت يبدو أن بكين تنظر إلى الفوضى التي سبّبها وباء فيروس «كورونا» كنافذة لفرص استراتيجية، وليس سبباً لضبط النفس وكبح الجماح.

في بعض جوانبه، يحمل هذا الموقف أصداء الفترة الأولى من الحرب البادرة، فبحلول مطلع 1947 كان هناك إجماع متنامٍ حول ضرورة تصدي الولايات المتحدة للتخريب والتوسع السوفياتي. في مارس (آذار)، أصدر الرئيس الأميركي هاري ترومان أقرب ما يكون لإعلان أميركي لحرب باردة، معلناً أن «على كل أمة تقريباً ضرورة الاختيار بين سبل بديلة للحياة» وأن واشنطن من ناحيتها ستختار «دعم الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات لإخضاعها من جانب أقليات مسلحة أو ضغوط خارجية».

وأعقب ذلك سلسلة من السياسات الأيقونية -«عقيدة ترومان» و«خطة مارشال» وتشكيل منظمة حلف شمال الأطلسي- والتي هدفت نحو تعزيز العالم الحر، في مواجهة الشقاء الاقتصادي والفوضى السياسية والعدوانية السوفياتية.

أما الأمر الذي غالباً ما يجري إغفاله هنا فهو مدى ضعف الموقف الدفاعي الأميركي آنذاك. كانت القوات العسكرية قد انكمشت من 12 مليون فرد عام 1945 إلى أقل من مليونين عام 1947، ورغم تمتع واشنطن باحتكار الأسلحة النووية لفترة وجيزة، فإنها امتلكت قدرات محدودة تمكّنها من استخدامها بفاعلية. أما قدرتها على الدفاع عن أوروبا الغربية أو الشرق الأوسط، أو أي مناطق جوهرية أخرى في العالم، فكانت في واقع الأمر معدومة. وفي وقت لاحق، قال وكيل وزارة الخارجية روبرت لوفيت: «كنا نعاني ظروفاً شديدة الصعوبة في جميع أرجاء العالم».

واعتمد نهج الحد الأدنى ذلك، على حسابات رأت أن الاتحاد السوفياتي لن يبدأ حرباً عالمية جديدة قبل أن يتعافى من الأخيرة. واعتمدت الحسابات كذلك على قيود مفروضة على الموازنة ورغبة منطقية في إنهاء التعبئة بعد الحرب العالمية الثانية. من جهته، كان ترومان رجلاً يهتم بالانضباط المالي، وبدا عاقداً العزم على عدم السماح بحدوث عجز مالي أو زيادة الضرائب. كما أنه كان يعي جيداً أن الشعب الأميركي يرغب في إعادة جنوده إلى الوطن. وعليه، انتهجت واشنطن سياسة احتواء بتكلفة زهيدة، مع التزامها حماية العالم الحر من دون بناء القوات اللازمة لتحقيق ذلك.

ومع هذا نجح الأمر – إلى حد ما. ولم يشن السوفيات هجمات خلال أواخر الأربعينات، رغم سعيهم إلى التخلص من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من داخل برلين عبر فرضهم حصاراً على المدينة. وساعدت «خطة مارشال» في إحياء اقتصاديات أوروبا الغربية، وتحقيق استقرار في الأوضاع السياسية في المنطقة. وفي تلك الأثناء، حاولت الولايات المتحدة زعزعة توازن السوفيات عبر الدعايات والحرب النفسية والعمليات السرية، وجهود إثارة الضغائن بين موسكو وأنظمة شيوعية أخرى في شرق أوروبا.

أما الدرس المستفاد الذي تحمله هذه الفترة لعالمنا اليوم، فيدور حول أن هناك الكثير من العناصر في المنافسة الأميركية – الصينية لا تتطلب إنفاقاً مالياً ضخماً، مثل خلق بدائل أمام الدول التي ربما تضطر إلى الاعتماد على القروض أو التكنولوجيا الصينية، وتعزيز قدرات المجتمعات الحرة في مواجهة التدخلات الاستبدادية من خلال تطوير أساليب فضح والتصدي للمعلومات الكاذبة، وكذلك تعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين الأنظمة الديمقراطية في العالم الحر.

ومع ذلك، تحمل هذه المقاربة وجهاً آخر أكثر قتامة، ذلك أن الجهود الأميركية منخفضة التكلفة لاحتواء الاتحاد السوفياتي، انطوت على مخاطر عسكرية واستراتيجية هائلة – في مقامرة كان يمكن أن يدفع الأميركيون ثمناً باهظاً لها لو أن حرباً اشتعلت، إلى جانب إمكانية أن يؤدي غياب توازن القوة العسكرية، في مناطق حيوية، إلى تثبيط حلفاء واشنطن، وخلق فرص أمام محاولات تهديد أو عدوان شيوعية.

وعلّق وزير الخارجية جورج مارشال آنذاك، على ذلك بقوله: «المشكلة أننا كنا نلعب بالنار بينما لم نكن نملك شيئاً ليطفئها». وعندما اشتعلت الحرب الكورية ثم تفاقمت عام 1950 اضطر صانعو السياسة الأميركية إلى مواجهة الاحتمالية المروعة، لإمكانية أن يخاطر السوفيات بالإقدام على إشعال حرب عالمية تواجه واشنطن خطر خسارتها. وأدت هذه السلسلة من الأحداث إلى عملية الحشد والبناء العسكري مطلع الخمسينات، والتي سعت لسد الثغرات التي يمكن لعدو انتهازي استغلالها.

أما الدرس المستفاد فهو أن الأدوات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية للتنافس تحمل أهمية حيوية – لكن مع تفاقم التوترات، ربما لا تكون كافية. ومهما كانت المبررات القائمة وراء انتهاج سياسة مواجهة، فإنها قد تؤتي نتائج كارثية حال عدم توافر درع عسكرية مناسبة خلفها. وستكون مفارقة محفوفة بالمخاطر أن يكون فيروس «كورونا»، ما أقنع الكثير من الأميركيين أخيراً بالتعامل بجدية مع التحدي الصادر عن الصين، لكنه في الوقت ذاته ترك البلاد واهنة للغاية على نحو لا يمكّنها من فعل ذلك.

* كاتب من خدمة بلومبيرغ