وزارة النقل تقحم احدى شركاتها بنزاع قضائي دولي  سيكلف الدولة ملايين الدولارات

بقلم: مراقب جوي اقدم

عندما نتحدث عن الترهل الاداري فنحن لا نتحدث عن زيادة عدد الموظفين بل في سوء ادارة المؤسسات و عدم الشعور بالمسؤولية تجاه المال العام.

فبعد جدل و أخذٍ و ردْ، و اشهر طويلة من الرسائل المتبادلة، تنبري وزارة النقل لتدفع باحدى شركاتها الفتية وهي الشركة العامة لخدمات الملاحة الجوية في آتون نزاع قضائي امام مركز التحكيم الدولي في لندن مع احدى الشركات البريطانية قد يكلف الدولة مئات ملايين الدولارات بدون اي مسوغ.

 

فقد انهت الشركة العامة للملاحة الجوية عقدا مُلزِماً و نافذاً مع شركة سيركو البريطانية ومن طرف واحد لتفتح الطريق بسهولة للشركة البريطانية باللجوء الى التحكيم الدولي القاسي بنتائجه و السريع في اجراءاته و الصادم للطرف الخاسر حتماً.

 

و عندما يلحق سوء الادارة بسوء التقدير ستكون عندها النتائج صادمة ومدوية وعندما نقول ذلك فان الشركات الكبيرة والرصينة لا تلجأ لحل خلافاتها القضائية الى القضاء او التحكيم لمجرد ان لها الحق في ذلك بل تسعى هكذا شركات الى الحل التفاوضي والتوافقي والودي حفاظاً على علاقاتها الدولية واسمها ولكن عندما تصل الامور الى ابواب موصدة فتتحول هذه الشركات الى النظر فقط الى الممكن وهو ممارسة حقوقها التعاقدية في ظل جهل مؤسساتنا واعتقادها بان الطرف الاخر ضعيف في موقفه وهو اعتقاد يقود الى هاوية دخول التحكيم الذي يمثل مرحلة اللاعودة.

و عندمًا تدفع وزارة النقل شركاتها الى خوض التحكيم الدولي فانها تخالف بشكل مباشر توجيهات اعلى سلطة تنفيذية في البلد والتي تنص على عدم دفع امور النزاعات للقضاء ومحاولة حل النزاعات بالطرق التفاوضية والودية.

وعندما يتعلق الامر بشركة الملاحة الجوية فأننا نتحدث عن شركة حكومية / تمويل ذاتي يمكنها ادخال موارد مالية لخزينة الدولة عندما تُحسِن التصرف بمسؤولية في قراراتها، و لكننا على العكس من ذلك وجدنا ارتجالاً واضحاً في التصرف الاداري يَنِم عن جَهل مُطبق بالتبِعات و قصر نظر يضر بالشركة و باموال الدولة.

 

من الناحية التجارية البحتة التي كانت احدى انعكاسات انهاء عقد الشركة البريطانية هي فقدان الدعم الذي كانت تقدمه هذه الشركة لشركة الملاحة الجوية في استيعاب التدفق الجوي وايضا في موضوع تمثيل شركة الملاحة الجوية امام المنظمات الدولية وفي ظل عدم وجود تامين الاجواء العراقية ضد حوادث اصطدام الطائرات لمدة ٤٦ يوماً دون خجل واحترام للعقول المهنية في مجال الطيران ومن ثم الاضطرار الى تامين الاجواء بمبلغ كبير وبقسط تامين عالي نسبيا وهي احد اوجه هدر المال العام، و نجد من المهم جدا ذكر الاهمال في مليء فراغ تركته الشركة البريطانية نتيجة الارتجال في قرار الشركة و اهم نتائج هذا الاهمال هو اشعار المخاطر الذي اصدرته سلطة الطيران الفيدرالية الامريكية FAA في ١٥ حزيران ٢٠٢١ من ان الاجواء العراقية غير آمنة للتحليق بارتفاعات تقل عن ٣٢ الف قدم و هو بمثابة فشل واضح لشركة الملاحة الجوية في تزويد سلطة الطيران الفيدرالية بمعلومات اضافية عن حالة الاجواء العراقية والتي طلبتها هذه السلطة في شهر تشرين الثاني ٢٠٢٠ و كان لدى شركة الملاحة الجوية اكثر من ٦ اشهر للاستجابة لهذا الطلب و لكن مديرها العام و كادر الشركة الذي ادعى “الاكتفاء الذاتي” فشل فشلا ذريعاً في الاستجابة و النتائج هي ان العديد من شركات الطيران حولت مسارات طائراتها الى الاجواء الايرانية في ظل التوقعات لتدفق جوي كبير عبر اجواء العراق بمناسبة معرض دبي اكسبو والمناسبة الاخرى هي نهائيات كاس العالم في قطر عام ٢٠٢٢ و النتيجة ان العراق خسر و سيخسر ملايين الدولارات بسبب هذا الاهمال و عدم الكفاءة.

 

ان التوقعات كانت تشير الى ان عدد الطائرات العابرة الاجواء العراقية سيتجاوز ٥٠٠ الى ٧٠٠ طائرة يوميا اي ثلاثة اضعاف العدد الحالي و هذه وحدها تصل خسائرها الى اكثر من ٦٩ مليون دولار سنويا حيث عدد الطائرات العابرة قبل اعلان المخاطر المشار اليه لايتجاوز الـ ٣٠٠ طائرة يوميا و هو هدر مباشر و خطير في المال العام كان يمكن ان يرفد الدولة و يعزز امكانياتها المالية.

اما من الناحية الفنية و اللوجستية فخسائر شركة الملاحة الجوية تتعلق أيضاً بخسائر الشركة في الراي الفني و الصيانة و فقدان فرصة تدريب الكوادر لمدة تزيد عن ٧ اشهر و هي خسائر غير منظورة لغير المختص و لكن المختصين يجمعون على القيمة المادية التي لا يعوضها وقت و لا انجاز لان ما حصل من نتائج تجارية واضحة للعيان.

 

من الناحية القانونية فأن ادارة الشركة كانت واجهة لرغبات وزير النقل الذي نفذ اداريا و بشكل رسمي توجيهات السيد رئيس الوزراء و الامانة العامة لمجلس الوزراء بضرورة حل النزاع القانوني مع الشركة البريطانية بطريقة التفاوض و لكن الحقائق تذهب بنا الى سؤال؛ هل ان وزير النقل رمى بالكرة في ملعب مجلس ادارة شركة الملاحة الجوية الذي اصبح الواجهة التي ستتحمل نتائج الذهاب الى التحكيم الدولي وهل يتناسى الوزير انه الرئيس التنفيذي المباشر لجميع تشكيلات وزارة النقل و سيتحمل المسؤولية عن خسارة اي نزاع قضائي يفضي الى خسائر مادية كما يحدث الان في نزاع شركة الخطوط الجوية العراقية مع شركة الصيانة التركية ATS Team والتي تحتفظ ب ٨ محركات لطائرات الايرباص بسبب خلاف على دفع مستحقات الشركة التركية من قبل الخطوط وهو ما ادى فعلاً الى جثوم ٥ طائرات على ارض مطار بغداد دون حراك منذ اكثر من ١٨ شهراً و هو ما يكلف الخطوط خسائر يومية لا تقل عن ٢٥٠ الف دولار بحسابات بسيطة جدا ، و قد قامت فعلا الشركة التركية بالطلب من مركز التحكيم الدولي في سويسرا البت في خلافها مع الخطوط الجوية العراقية و التي ستخسرها الخطوط حتماً للاسف و هو مخالفة صريحة و واضحة من وزارة النقل لتوجيهات الامانة العامة لمجلس الوزراء بعدم دفع الجهات الحكومية للجوء الى القضاء الا في الحالات القصوى و هو معناه ان لايكون اللجوء الى القضاء الخيار الاول بل الاخير.

و السؤال المطروح اليوم هو:

من سيتحمل نتائج النزاع القضائي المحتمل لشركة الملاحة الجوية مع الشركة البريطانية التي لجأت فعلا و بعد محاولاتها الطويلة خلال ٨ اشهر لحل خلافها مع شركة الملاحة الجوية وديا و عن طريق التفاوض ؟

الجواب يبدو واضحاً وهو ان يتحمل رئيس مجلس الادارة و اعضاء المجلس نتائج هذا النزاع القضائي و من خلفهم وزير النقل حتماً و على الجهات الرقابية ان تقوم بتضمين المتسبب بقرار جريء و شجاع لتضع حداً للممارسات الارتجالية و المزاجية بل و العشائرية في ادارة مؤسسات حكومية بريئة من هذه الادارات و ممارساتها اللامسؤولة التي عرضت و تعرض مصالح العراق للخطر .