وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على تشكيل الاقتصاد

يس عراق: بغداد

عندما ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي كانت بمثابة محاولة من جانب بعض المنظمين الطموحين للالتحاق بأصحاب الثروات، وتمكن بعضهم من تحقيق مآربه، وفشل آخرون، ولكن المؤكد أن ما لم يحسب أحد حسابه هو أنها ستغير الاقتصاد العالمي بصورة كبيرة وستؤثر في اقتصاد الدول أيضًا.

وتقدر مؤسسة مشغلي شبكات الموبايل عالميًا (جسما) عدد الجوالات الذكية العاملة حول العالم بحوالي 5.13 مليار هاتف، بما يشير إلى أن 66.5% من سكان العالم لديهم هواتف ذكية وتقدر الدراسة أن 87% من هؤلاء المستخدمين على الأقل لديهم تطبيق على الأقل، أو أكثر، من تطبيقات التواصل الاجتماعي.

ويكفي القول إن تطبيقًا مثل “فيسبوك” وحده تخطى عدد المستخدمين النشطين له 2.7 مليار، فضلا عن تقديرات بتعامل حوالي 60 % من البشر مع الموقع ولو لمرة واحدة على الأقل.

وإذا كانت الثورة التكنولوجية سمحت بظهور بعض أصحاب الثروات الكبيرة للغاية، مثل “بيل جيتس” و”ستيف جوبز”، إلا أن معدل بناء هؤلاء للثروة كان أطول مدى بمراحل مما استلزمه مؤسس موقع “بادو” للتواعد الذي أصبحت ثروته تقدر بـ700 مليون دولار بعد إطلاق التطبيق بعامين فحسب، فضلًا عن حالة “مارك زوكربيرج” الشهيرة مع “فيسبوك”.

وعلى الرغم من التنامي السريع في ثروات البعض في ظل هذه الحالة إلا أن الغالبية لم تصل إلى حد صنع مئات الملايين أو بعض المليارات، ولكن المؤكد أن معدل ظهور المليونيرات زاد بشكل لافت بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي حيث وصل في الولايات المتحدة إلى قرابة 300 ألف مليونير في عام 2018 وفقًا لتقديرات “فوربس” بينما لم يتعد الرقم نفسه 120 ألفا قبل 10 سنوات وهو التاريخ الذي بدأت وسائل التواصل فيه بالازدهار.

واللافت أن الأغلبية الكاسحة من هؤلاء الأغنياء الجدد لا يحظون بثرواتهم بسبب امتلاكهم لمواقع تواصل بأنفسهم، ولكن بسبب استغلالهم لها سواء في الإعلان عن أعمالهم غالبا ما يكون بطرق مبتكرة.

“تسويق مختلف”

ويمكن الإشارة هنا إلى ملابس أمريكية حملت اسم “موون” بدأت في عام 2009 عملها وحققت نجاحًا محدودًا، وإن بقت قادرة على البقاء، ولكن بحلول عام 2014 قررت الشركة اتباع أسلوب مبتكر في محاولة لدفع مبيعاتها من خلال نشر منشور (بوست) بطرح قميص عادي للغاية مقابل 100 ألف دولار.

وفي إطار التسويق التقليدي فإن ذلك كان من شأنه إبعاد العملاء المحتملين عن متجر الملابس، ولكن هذا المنشور كان الأكثر مشاركة على الإطلاق في الولايات المتحدة خلال عام 2014 على “فيسبوك” من بين كافة المنشورات التجارية، وعندما يدخل أي شخص على صفحة المُنتج سيجد قمصانًا عادية في إطار سعري تقليدي لا يتخطى 20-80 دولارًا.

فالهدف لم يكن الحصول على مبيعات حقيقية لهذا القميص، ولكن كان “استفزاز” مشاعر المتصفحين لـ”فيسبوك” لكي يدخلوا على المنشور ولكي يقوموا بنشره على صفحاتهم الشخصية، وبذلك حصلت الصفحة على دعايا تفوق ما يمكن أن تحصل عليه من أية إعلانات مدفوعة.

وعلى سبيل المثال تقدر “فوربس” أن مقاهي “ستاربكس” الأمريكية الشهيرة حصلت على إعلانات مجانية بقيمة 200 مليون دولار تقريبًا بسبب انتشار صورة لكوب من أكوابها تم وضعه بالخطأ في أحد مشاهد مسلسل “صراع العروش” على مواقع التواصل الاجتماعي (كانتقاد لحرفية المسلسل التاريخي الذي لا يحتوي على أكواب مقاه بطبيعة الحال) بما جعل مستخدميها يقومون بنشر خبر الخطأ باستمرار ليستفيد المقهى.

موجة معاكسة للتكنولوجيا

وتقدر دراسة لجامعة “ديلهي” أن هناك قرابة 1.6 مليون منتج صغير في الهند يرتبط وجودًا وعدمًا بوجود شبكات التواصل، سواء من خلال عرض منتجاتها عليه (في مجموعات خاصة لذلك وليس كإعلانات مباشرة) أو من خلال ارتباط نجاح أعمالها بالدعاية التي تتم على مواقع التواصل.

وتعتبر الدراسة أن قرابة 10% من النمو الهندي ترتبط وجودًا وعدمًا بوجود وسائل التواصل الاجتماعي وأن 40% من النمو الهندي قد يتأثر بنسب غير محددة إذا اختفى الجانب التجاري والتسويقي لمواقع التواصل.

وترى الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي تسببت بموجة معاكسة لمواجهة التكنولوجيا الأولى التي أدت لظهور عدد من فاحشي الثراء بشكل سريع نسبيًا، لأنها تسهم في ظهور أصحاب الثروات الأقل، ولكن بشكل أسرع مما كان سائدًا إبان الثورة التكنولوجية التقليدية.

وهناك العديد من العناصر التي ساهمت فيها وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل الاقتصاد، ولعل أبرزها أن أسرع المهن نموًا في العالم، وهي كُتاب المحتوى، يكون الجزء الرئيسي من عملهم الكتابة بما يلائم وسائل التواصل، أو مواقع البحث.

كما أن وسائل التواصل ساهمت في النمو المضطرد لما يعرف بـ”اقتصاد الخبرة” ويقصد به إنفاق الناس لأموالهم على الحصول على خبرة، مثل زيارة دولة أو تجربة لعبة جديدة أو ممارسة نشاط جديد (التزحلق على الجليد مثلا) على حساب شراء السلع التقليدية.