‫خطابات المكلفين.. هشام الهاشمي

كتب هشام الهاشمي:

‫بعد استقالة عادل عبد المهدي تكلفت ثلاثة شخصيات لرئاسة مجلس الوزراء، اطلعت على نصوص خطاب التكليف لعلاوي والزرفي والكاظمي، أنها تؤكد على إخفاقات لتراكمت على الصعيدين الاقتصادي والأمني، وبحسب نصوص الخطابات، السبب المشاهد هو تقوقع الاحزاب المسيطرة على مصالحها الضيقة.

‫خطابات المكلفين لا تزعم انها تمتلك القدرة على إحداث الإصلاحات الاقتصادية الجذرية بحيث تنهي مشاكل الفقر والبطالة والفساد، وتعيد العافية للتنمية، لان ذلك يتطلب إيجاد تغيير جذري في سلوك النظام السياسي واجتثاث المحاصصة وانهاء الهيئات الاقتصادية للأحزاب وتحييد بيع المناصب والوزارات.

‫فمثلا المناصب التي تعرف بالدرجات الخاصة اصبح يرشح لها فئات من شرائح حزبية غير منتجة وغير مؤهلة، الأمر الذي ادى تعجيل انهيار المؤسسات، وأصبحت هذه المناصب عصا غليظة بيد لوبيات الفساد، وفي الغالب هذه المناصب لا تنتج اي تفاعل مع خدمة الصالح العام بسبب ضيق افقها المهني والعلمي..

‫مضمون خطابات المكلفين لم يخلوا من الشعارات التي تحاكي حماسات المحتجين الذين يبحثون عن العدالة الاجتماعية، شعارات تحدثت عن التنمية وحفظ الحقوق والحريات، بالمقابل لا توجد قدرات لتنفيذ تلك الشعارات، لا أحد يشكك بالإرادة الصالحة للمكلفين، ولكن الفعل يحتاج الى قدرة حتى يكون واقعا.

‫كانت الفكرة من تلك الخطابات بداية هو استيعاب الشعب الغاضب، ثم اعلام الشعب بمحاور البرنامج الحكومي، وقد تركزت على ثلاث محاور رئيسية؛ أولًا محور الإصلاحات الاقتصادية والتي ينبغي ان تمر بالتقشف، ثانيًا محور ابعاد الصراع الامريكي الإيراني عن ارض العراق وانهاء ملف السلاح السائب. ‫ثالثًا محور التمهيد لانتخابات مبكرة وبقانون انتخابي عادل وبإشراف اممي نزيه، ومحاكمة قتلة المحتجين.

‫قد تكون بوادر الإصلاح هي الروح التي نراها في هذه المحاور الثلاثة، لان لسان حالها يرفض الاستبداد والفقر والفساد، ورفض السيطرة الأجنبية، لكن الفساد لا ينتهي الا بالاحتجاج السلمي.

‫عوامل كثيرة جعلت خطابات المكلفين الثلاثة أقل تأثيرًا بالجمهور المخاطب، وهذه كلها عوامل قابلة للتغيير في 100 يوم الأول من عمر الحكومة، فقرارات رئيس الوزراء بمعية فريق من المساعدين تستطيع ان تصنع التهدئة مع المحتجين الغاضبين ومع فئة الخريجين والفئات التي تعاني من الفقر والبطالة.

‫في كل الأحوال يبقى خطاب المكلف مرهونا بقدرة حكومته على ايجاد حلول قابلة للتنفيذ وليست وعود مثالية ومخدرة، وتقلل من وتيرة الغضب وتجنب الحكومة السقوط السريع بالموجة الاحتجاجية القادمة، وتعيد عجلة النشاط الاقتصادي الى ما كانت عليه في 2010-2012 وقد تكون نقطة البداية هي الأهم.

 

‫اعتماد طريقة المبادرات الخاصة تجعل وزارات المحاصصة بلا صلاحيات أو قدرة على تمكين الوزير ومكتبه والهيئة الاقتصادية الحزبية من الاستحواذ على المال العام، مبادرة بقيادة محترفين تستطيع إنجاز الكثير من الإصلاحات، مبادرات؛ زراعية وصناعية وصحية وتجارية وسياحية وتعليمية واجتماعية..

 

‫ولا شك أن هذه الخطوات التي تحدث عنها المكلف في خطابه ستكون لها ثمرة في 100 يوم الأولى، وليس من صالح الحكومة الكذب وتقديم الأعذار وتبرير الضعف، وإلا فأن الفوضى قادمة وليس من صالح اي جماعة حزبية او سياسية او دينية التصعيد نحو فوضى غير مسيطر عليها.

 

‫قبول شروط صندوق النقد الدولي تعرض العراق الى خوض مغامرة؛ الفشل فيها يؤدي إلى سلسلة من الانتفاضات الشبابية المستمرة، فالتقشف الشديد وصفة علاج اقتصادي ولكنها ليست وصفة لانهاء الفقر والبطالة على المدى القريب، والتفاوض مع صندوق النقد من أجل اقتراض جديد، يشير الى بقاء الاحتجاجات .

 

‫النخب التي تساند الاحتجاج لا تزال تحاول تصحيح موازين القوى بين بعضها بعضًا في ظل خطابات المكلفين والمعطيات الجديدة؛ انهيار أسعار النفط وجائحة كورونا والتصعيد الامني والعسكري بين امريكا وايران على ارض العراق، وان بعض تلك النخب غير متحمسة لاستئناف الاحتجاج بسبب قربها من المكلف.

 

‫وفي ظل لعبة شد الحبل مع قيادات الاحزاب السياسية التي يمر بها الفريق المفاوض للمكلف تتفاقم المشاكل الاقتصادية والصحية والاجتماعية والأمنية التي ورثها العراق من تراكمات السنين الماضية فهل يمكن لخطابات المكلفين ووعودهم اخراج الدولة العراقية من مأزق التصدع والانهيار ؟ أرجو ذلك..