أمام مستقبل مالي مجهول.. حل وحيد يتفق عليه اقتصاديو العراق ويمثل نقطة الـ”لا رجعة”

يس عراق: بغداد

أعادت الأزمة الاقتصادية الأخيرة في العراق، والتي وصلت إلى العجز الحكومي بصرف الرواتب، أعادت الحماس إلى الخبراء الاقتصاديين في العراق، لطرح ماكانوا يرددونه منذ سنين، وأمام الطرق المغلقة والستراتيجية الاقتصادية “العاجزة” التي يتبعها العراق في الوقت الحاضر وتعترف بها وزارة المالية والحكومة الحالية، يتفق عدد كبير من الخبراء الاقتصاديين العراقيين على حل شديد الأهمية ومصير ضروري الوقوع.

 

ومن المعروف بشكل واضح للجميع بأن السبب الأكبر للأزمة الاقتصادية الحالية واثارها على العراق بفعل كورونا، هو تراجع اسعار النفط فضلًا عن تقليص المبيعات النفطية وفق اتفاق اوبك، الأمر الذي زلزل كيان الاقتصاد العراقي بسهولة خلال أشهر قليلة، في وضع يجعل العراق وابنائه وامواله رهينة لمزاج السوق العالمي والظروف المفاجئة المرتبطة بأسعار النفط.

 

ومن هذا المنطلق، يتفق الاقتصاديون العراقيون على ضرورة الخروج من “الاقتصاد الريعي”، والتوجه حالًا إلى الصناعات النفطية وغير النفطية والتصدير والسياحة والاستثمار، وحقول وقطاعات مختلفة أخرى، يتفق الاقتصاديون على أن سلوكها والعمل بها سيكون مرتبط بطفرة في الاقتصاد العراقي.

 

شاهد ايضا: تأخير الرواتب “سيتكرر”.. ترجيح يتصاعد في الأوساط الاقتصادية ومقترح سينقل العراق لمرتبة اقتصادية “تنافسية” في العالم!

 

 

4 ملفات ستحدث طفرة في اقتصاد العراق

المختص بالشأن الاقتصادي جمال شاكر قال إن الازمة الاقتصادية الحالية تكونت نتيجة السياسة الاقتصادية الخاطئة للحكومات السابقة مبينا ان الخروج منها بحاجة لقرار سياسي مستقل .

وقال شاكر في تصريحات صحفية، ان اعتماد البلاد على الاقتصاد الريعي شىء خاطئ وبامكان تحويله الى متنوع من خلال الاهتمام بالمرافق السياحية الدينية واعادة الحياة الى المصانع المتوقفة عن العمل منذ سنوات وتفعيل الاقتصاد الاستثماري من خلال استقطاب اصحاب رؤوس الاموال وتحويل مادة النفط الى منتجات صناعية مبينا ان هذه الملفات لو تم تطبيقها وفق خطط مدروسة فستحدث طفرة في الاقتصادي العراقي .

واضاف ان العراق يمتلك كل مقومات النهوض والازدهار الاقتصادي ولكن التدخل الخارجي في القرار السياسي يمنع السير تجاه تحقيق اقتصاد قوي يمكن من خلاله تامين متطلبات الحياة اليومية للمواطن وعودة الثقة بمؤسسات الدولة.

 

 

تأخير الرواتب سيتكرر.. الحل الستراتيجي “بسيط”

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي مهدي دواي، أن تأخر تسديد رواتب الموظفي في البلاد سيتكرر، وفيما اشار الى ان الازمات الاقتصادية ستكون اكثر حدة في المستقبل، شدد على ضرورة انتقال العراق من الاقتصاد الريعي الى المتنوع كحل استراتيجي للمستقبل.

وقال دواي وهو عميد كلية الادارة الاقتصاد في جامعة ديالى ان “اقتصاد العراق بشكل عام يعتمد في النسبة الاكبر على سلعة ريعية (في اشارة منه الى النفط الخام الذي تحدد اسعاره وفق مبدا العرض والطلب) اي ان تحديد الاسعار خارج ارادتنا”، مؤكدا ان “اي اقتصاد ريعي في العالم تكون مخاطره اكبر وقدراته في مواجهة التحديات الاقتصادية اضعف لذا فان تعرض اقتصاد البلاد الى صدمات مالية سيبقى مستمرا”.

واضاف دواي، ان “انتقال العراق من الاقتصاد الريعي الى اقتصاد متنوع ضرورة ستراتيجية من خلال استثمار ما لدينا من قدرات في قطاعات كثيرة ومنها الزراعة والصناعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي الذي سيوفر 3 امور ايجابية وهامة وهي امتصاص البطالة وتوفير العملة الصعبة ناهيك عن تداعياتها في دعم سعر صرف الدينار وجعل مستوى مواجهة اي انتكاسات اقوى محتملة”.

واشار عميد كلية الاقتصاد في جامعة ديالى، الى ان “ازمة الرواتب لن تحل مادمنا نعتمد على النفط بنسبة كبيرة جدا في تمويل ميزانية البلاد”، لافتا الى ان “هناك دولا كان وضعها الاقتصادي اسوء من العراق ومنها رواندا التي قررت ان تنتقل الى مرحلة تنويع الاقتصاد وفتح الابواب امام الاستثمارات والسياحة لتتحول الى المرتبة 40 في التنافسية الاقتصادية حول العالم”.

ونصح الخبير الاقتصادي، بـ”تشكيل لجان اقتصادية مدعومة بخبراء من الجامعات العراقية لوضع حلول مستقبلية للاقتصاد الوطني لان الحلول الانية لن تكون قادرة على مواجهة الازمات خاصة في ظل التقلبات الحاصلة في قطاع الطاقة وبروز كورونا ناهيك عن الانفجار الديمغرافي في العراق وارتفاع عدد سكانه بشكل كبير ما يستدعي وضع ستراتيجية بعيدة المدى لملف الاقتصاد الوطني”.

 

 

لايوجد عجز في الميزانية.. بل بالتوازن النقدي

وأسهب الخبير الاقتصادي عماد عبداللطيف، في نقل رأي “ضخم” لمن وصفه بـ”استاذه” الخبير الاقتصادي الدكتور احمد البريهي حول مشكلة عدم قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظّفين، وتوضيح الالتباس والخلط بين الموازنة العامة، والموازنة النقدية، وأزمة الإدارة الماليّة في العراق”.

واستهل عبداللطيف في إيضاحه المطول الذي تابعته “يس عراق” بالتساؤل: “هل أنّ “مشكلة” عدم قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظّفين، هي مشكلة “مُختَلَقة” و “مُفتَعَلة”وآنيّة، يتمّ تهويلها في الأجل القصير .. وأنّها قابلة للحلّ على المدى الطويل .. وأنّ المؤسسات (والسلطات) النقديّة والماليّة في البلد تعرف أسباب وأبعاد هذه “المشكلة” جيّداً، وتعرفُ(وهذا هو المهمّ) أنّها قادرة على وضع الحلول المناسبة لها، بما يتوفر لديها من وسائل وموارد متاحة ؟

 

واضاف: “عن سؤالي هذا ، يُجيبُ أستاذي الجليل ، والعقل العراقيّ الجميل، الدكتور أحمد إبريهي علي، بما يأتي:

-إنّ المشكلة ليست في الرواتب ، إذ يُمكن إدارة الأزمة الحالية بالأقتراض الداخلي، و يقوم البنك المركزي بمساعدة المصارف الحكومية على أداء هذه المهمة، لما بقي من سنة 2020 وعام 2021.

– إنّ تأخر دفع الرواتب قد حدث بسبب عقبات ذات طبيعة تنسيقية وإجرائية بين الحكومة ومجلس النواب. وأنّ من السهل تذليل تلك العقبات ، ومن المتوقّع(منطقيا) أن الرواتب لن تتأخر، ولا يجب أنْ تتأخّر.

– هناك خشية على الدوام من التهويل والألتباس بين أهداف الأمد المتوسط والبعيد، أي بين تلك الأهداف التي تتعلق بالتنمية والتنويع، من جهة، و بين الإدارة الجارية للعمليات المالية والنقدية من جهة أخرى.

– وهنا لا يخفى على أي عراقي، أو مطلع على الشأن الأقتصادي للعراق، أنّ إيرادات الموازنة العامة من غير النفط الخام، تبدو و كأنها لا توجد، وان القطاع المالي Financial sector عجيبٌ في تخلفه.. فلا ضرائب تُرتجى ، ولا سندات يشتريها الجمهور .. فماذا يبقى سوى الأقتراض من الجهاز المصرفي، وماذا يبقى غير المزايدات ، وقصائد الهجاء التي لا تنفع.

– هناك بديهيّة مفادها أن العجز في العراق هو توأم ، أو مزدوج .. أي عجز في ميزان المدفوعات، وعجز في الموازنة العامة للدولة. ويحدث ذلك لأن صادرات النفط هي المصدر الوحيد،تقريبا، للنقد الأجنبي، الذي ينخفض عند إنهيار السعر دون الحجم المطلوب لتمويل الأستيرادات من السلع والخدمات والمدفوعات الأخرى.

– إنّ مشكلة العراق والخطر المحدق به في المستقبل هو العجز المحتمل لميزان المدفوعات ، وليس العجز في الموازنة العامة للدولة.

– التأكيد على ضرورة إعداد الموازنة النقدية (أو إدارة النقد)  Management Cashباعتبارها عنصر اساس في إدارة الأنفاق العام لتجنب المفاجآت والتغيرات الحادة، قدر الإمكان، وايضا لتنظيم الإقتراض الذي لاتخفى صلته الوثيقة بالسياسة النقدية والإحتياطيات الدولية للبنك المركزي.

– إنّ المسألة الجوهرية في الموازنات النقدية في العراق هي التمييز، دون لبس، بين منظومتين من الأرصدة والتدفقات الداخلة والخارجة هما : أرصدة وموارد وإستخدامات بالعملة الأجنبية ، وأخرى بالعملة الوطنية.

– وهنا لابد من التخلي عن المقاربة المتعارف عليها في وزارة المالية ، وهي أنّ الموارد والإستخدامات واحدة ، ويُعبّر عنها بعملتين: دينار ودولار. فالموازنة، حسب التصور السائد والنافذ في دوائر القرار، هي إيرادات نفط بالدولار تترجم ، حسابيا، الى الدينار وتُنفَق.

– لقد كان هذا الفهم وراء الكثير من الإلتباس، وكان سبباً رئيساً أيضاً في إعاقة مقترحات التطوير. وهذا الفهم هو أصدق تعبير عن علّة الإنفصام بين ميزان المدفوعات الخارجية والموازنة العامة في العراق، في التفكير والسياسة الإقتصادية، وهو أيضاً من اسباب الغموض النظري وإغفال الإختلاف الواقعي بين ضرورات ومضامين الإقتراض الداخلي والخارجي.(لمزيد من التفاصيل راجع دراسة الأستاذ إبريهي المهمّة : “الموازنات النقدية لإدارة المالية الحكومية” ، والمذكور رابطها في التعليقات).

– ومن هنا تأتي ضرورة التركيز على بناء طاقات إنتاجية تتّجه للتصدير. (وقد سبق للأستاذ إبريهي وإنْ قدّمَ (في آخر بحثٍ له) مقترحا مختصرا لبرنامج إستثماري لهذا الغرض) .. والآن  أيضا، ها هو يكرّر دعوته هذه إلى كل حريص على مستقبل الأبناء والأحفاد، بأن يكون سنداً وعوناً من أجل تركيز الوعي على برنامج إستثماري لبناء طاقات إنتاجية للتصدير، وان تباشر الحكومة به فورا.

– إنّ الأقتصاد ، أي إقتصاد ، محدود بقيدين: قيد الطاقة الأنتاجية المحلية ، وقيد ميزان المدفوعات. وطالما لم يقترب الأقتصاد من حدود الطاقة الأنتاجية ، كما هو حال العراق، لا يُخشى من إنفجار موجات تضخمية ، بغض النظر، نعم بغض النظر، عن كيفية تمويل عجز الموازنة العامة.

– ولكنّ المشكلة تكمن هنا في قيد ميزان المدفوعات ، لأنّ التدفقات الداخلة للعراق من النقد الأجنبي أقل من الطلب السنوي. وإلى الآن ماتزال إحتياطيات البنك المركزي تسد هذا النقص بين تدفقات النقد الأجنبي وبين الطلب السنوي ، وما تزال الأستيرادات تمول بالحجم المطلوب .. وهذه العملية (مع إستمرار المستوى المنخفض لسعر النفط) سوف تصل الى حدودها القصوى .. نعم سوف تصل الى حدودها القصوى إذا بقينا عاجزين عن وضع الحلول .. ولكن ليس في عام 2021.

– ينبغي على الجميع ( اقتصاديّين ، أو مهتمّين بالشأن الإقتصادي) ، مراجعة بيانات موقع البنك الدولي WDI( World Development Indicators | DataBank) .. حيث سيتّضح لهم أن نسبة (أو حصّة) صادرات الصناعة التحويليّة الى مجموع الصادرات تشكل أكثر من 70% (على مستوى العالم) ، وفي دول شرق آسيا والمانيا تصل هذه النسبة الى 80% ثم 90% .

ولذلك يقترح الأستاذ إبريهي أن تكون 70% من الصادرات غير النفطية المستهدفة في البرنامج الأستثماري من حصّة الصناعة التحويلية، والباقي من التعدين غير النفطي ( بما فيه الغاز والزراعة) ، وأنّ لا خيار لنا غير ذلك.أما البنى التحتية فتوجد مقترحات محددة لتطويرها.

– مع الأسف الشديد فإنّ أعضاء المجلس النيابي ، والحكومة (بما في ذلك وزارتي التخطيط والمالية) ، وأيضاً أساتذة الأقتصاد، قد أصرّوا على تعريف المشكلة على أنّها مشكلة عجز في الموازنة العامة للدولة  ، بينما هي في الحقيقة مشكلة عجز في ميزان المدفوعات.

و يختتم الأستاذ إبريهي إجابتهُ بالتأكيد على أنّ المشكلة ليست في الرواتب ، ولا في “تنقيد الدَيْن” ، بل هي في صرف الوعي عن ضرورة النمو الأقتصادي بالتصنيع .. تلك العملية التاريخية المعجزة التي صنعت حضارة هذا العالم.

شاهد ايضا:

بسطور “مطولة” خبير اقتصادي “يفجر” قنبلة : هل أزمة الرواتب مفتعلة ولايوجد عجز؟.. فهم متداول للموازنة يتسبب بـ”لبس كبير”